مقالات

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة ما بين النقاب والجامعة… أين تقف العدالة

 

زاوية خاصة

نايلة علي محمد الخليفة

ما بين النقاب والجامعة… أين تقف العدالة

في الدول التي تحترم مؤسساتها المترددين عليها ، يظل باب الجامعة مفتوحًا لكل طالب وطالبة ما دام استوفى شروط القبول الأكاديمية ، أما أن يتحول المظهر الشخصي إلى بوابة للإقصاء قبل حتى الاستماع إلى صاحب الطلب ، فذلك يثير أسئلة تتجاوز النقاب إلى مفهوم العدالة الإدارية واحترام الإنسان ، الواقعة التي رُويت عن الجامعة الوطنية بالخرطوم ، إن صحت كما وردت ، لا تتعلق بحكم النقاب الشرعي ، فهذه مسألة قديمة اختلف فيها الفقهاء بين الوجوب والاستحباب ، ولكل فريق أدلته . لكنها تتعلق بحق طالبة في أن تُعامل باحترام ، وأن يُنظر في طلبها وفق اللوائح والقوانين ، لا وفق الانطباعات الشخصية أو المواقف الفكرية لموظف هنا أو هناك.

الجامعة ليست منبرًا لفرض القناعات ، وإنما مؤسسة علمية عليها أن تتسع لاختلاف الناس ، ما دام ذلك لا يخل بالأمن أو بالنظام العام أو بالعملية التعليمية ، وإذا كانت هناك لوائح تنظم الزي أو إجراءات التحقق من الهوية ، فهذه أمور يمكن تنظيمها بوسائل إدارية معروفة ، كإبراز الهوية أو التحقق من الشخصية بواسطة موظفات مختصات ، دون أن يتحول الأمر إلى منع مطلق ، فالسؤال الذي يفرض نفسه وبقوة ، هل توجد في السودان قوانين تمنع المنقبة من الدراسة الجامعية؟ ،
بحسب المتداول من القوانين العامة ، لا يوجد قانون سوداني يمنع المرأة من الدراسة بسبب ارتدائها النقاب ، وقد تضع بعض الجامعات لوائح داخلية تنظم الزي أو إجراءات الدخول أو التحقق من الهوية ، لكن هذه اللوائح ينبغي أن تكون مكتوبة ومعلنة ، وتطبق باحترام وعلى الجميع ، لا أن تصبح اجتهادات شخصية أو مواقف انفعالية تصدر من موظف أثناء أداء عمله.
وإذا كان المجتمع يرحب باللوائح التي تمنع الزي الفاضح حفاظًا على قيمه وأخلاقه ، فمن باب أولى ألا تتحول اللوائح إلى وسيلة لمنع من اختارت مزيدًا من الستر ، ففي بلدٍ يعلن الإسلام دينًا للدولة ، ويجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع وفق أحكامه الدستورية ، يُنتظر من مؤسساته أن تراعي هذه المرجعية ، وأن تكفل حق المرأة في التعليم دون أن يكون حجابها أو نقابها سببًا لإقصائها ، مع تنظيم الإجراءات الإدارية اللازمة للتحقق من الهوية عند الحاجة.

والأخطر من المنع نفسه هو الأسلوب ، فصاحب الواقعة جاء يسأل عن إجراءات تحويل ، ولم يُتح له حتى أن يشرح غرضه ، بل وجد نفسه في مواجهة نقاش لم يتوقعه ، الإدارة الناجحة لا تُختبر بما تطبقه من لوائح فقط ، وإنما بالطريقة التي تخاطب بها الناس ، فالكلمة الجافة قد تهدم صورة مؤسسة كاملة ، بينما الكلمة المهذبة تحفظ هيبة النظام وكرامة الإنسان في آن واحد ، لقد عرف السودان عبر تاريخه تنوعًا في أنماط زي النساء ، ولم يكن الاختلاف في الهيئة سببًا لإغلاق أبواب التعليم ، فالجامعات السودانية خرّجت أجيالًا من الطالبات ، منهن المحجبة ومنهن المنقبة، ولم يكن ذلك عائقًا أمام التحصيل العلمي أو التميز الأكاديمي ،
ولا يعني الدفاع عن حق المنقبة في التعليم أن يُفرض النقاب على المجتمع ، كما لا يعني السماح به فرض رأي فقهي بعينه ، القضية ببساطة هي أن التعليم حق للجميع ، وأن الحق الشرعي فلا اقول الحرية الشخصية لأن الحجاب فرض والنقاب مستحب مع اختلاف الاراء الفقيه ، ينبغي أن يحترم في إطار القانون واللوائح ، لا أن تُصادر بسبب اختلاف في المظهر.

إن الجامعات مطالبة اليوم بمراجعة لوائحها إن وجدت ، وتدريب موظفيها على حسن التعامل مع الزوار ، لأن رسالة الجامعة تبدأ من مكتب الاستقبال قبل أن تصل إلى قاعة المحاضرات ، ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من الجهات المختصة إذا كانت أبواب الجامعات تُغلق في وجه طالبة بسبب زيها ، فأي رسالة نبعث بها للأجيال؟ وهل نريد أن تكون الجامعة فضاءً للعلم ، أم ساحةً لإقصاء المختلفين؟ ،
فالأمم تُبنى بالعلم ، والعلم لا يزدهر إلا حين يشعر كل طالب وطالبة أن كرامته مصونة ، وأن حقه في التعلم لا يتوقف على قناعة موظف أو مزاج مسؤول ، بل على القانون والعدالة والمساواة في الفرص فعلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، أن لا يحصر همه في عودة الجامعات الخرطوم ، بل ان يصون كرامة هؤلاء من اصحاب الغرض… لنا عودة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى