مقالات

صرير القلم : د. معاوية عبيد  الأسماك العمياء تفر من مياه نهر اتبرا ….

صرير القلم : د. معاوية عبيد

 

الأسماك العمياء تفر من مياه نهر اتبرا ….

 

 

( الأسماك العمياء تفر من مياه نهر اتبرا)

توقفت طويلاً أمام هذا العنوان الذي حملته إحدى الصحف الإلكترونية ليس لأنني من أهل علوم الأسماك ولكن لأن الخبر أخذني دون استئذان إلى حكاية أخرى أكبر من الأسماك والنهر .

يقول الخبر إن تكدس الأسماك على ضفاف نهر اتبرا ظاهرة تتكرر سنوياً مع موسم الفيضانات وإن الأمطار الغزيرة ترفع منسوب العكارة في المياه فتتأثر قدرة الأسماك على التنفس عبر الخياشيم فتقفز من الماء إلى اليابسة بحثاً عن النجاة من الاختناق ( المستجير بالرمضاء من النار) .

تخرج السمكة من الماء الذي اعتادت عليه لا لأنها تحب اليابسة ولا لأنها تعرف إلى أين تذهب وإنما لأنها تبحث عن فرصة أخرى للحياة ، و في الجانب الاخر يمثل خروج الأسماك فرصة سهلة للاصطياد و في ذلك زيادة في الانتاجية .

وهنا توقفت عن قراءة الخبر بوصفه خبراً عن الأسماك ، ففي هذا السودان الذي أتعبته الحرب كم من إنسان خرج من مائه إلى يابسة الغربة؟

كم من أسرة تركت بيتها وحيها ومسجدها ومدرستها وذاكرتها ثم حملت ما استطاعت من متاعها وفرّت إلى المجهول؟

كانت الأسماك تقفز من مياه اتبرا لأن الماء نفسه أصبح خانقاً والسودانيون خرجوا من ديارهم لأن الحرب جعلت المكان الذي ولدوا فيه غير آمن فرقٌ كبير بين أن تترك وطنك لأنك تريد الرحيل وأن تتركه لأنك تريد أن تنجو ،خرج السودانيون إلى دول الجوار كما خرجت الأسماك من النهر لا يحملون مشروعاً للغربة ولا حلماً بالمنفى وإنما يحملون أطفالاً خائفين وحقائب مثقلة بالذكريات وأملاً صغيراً بأن تنتهي الحرب ذات يوم لكن الغربة كما يقول أهلنا (ما بترحم ) ، فقد اصبح الذين خرجوا إلي ديار سهلي الإصطياد لاشياء كثيرة ما كانت تمر بخاطرهم ، هناك من اضطر إلى بيع منزله لأنه لم يعد يعرف متى يعود وهناك من دفع مدخرات عمره إيجاراً وهناك من وجد نفسه أمام أسعار مضاعفة وحياة لم يكن مستعداً لها وهناك من عاش سنوات الحرب في مخيمات اللجوء والنزوح يكافح من أجل الطعام والدواء والعمل والتعليم ، وفي خضم هذا كله يصبح الإنسان الهارب من الحرب أكثر هشاشة أمام الاستغلال والابتزاز والجريمة والاتجار بالبشر .

ذلك الشعب السوداني الطيب الذي فتح أبوابه ذات يوم للآخرين عندما أغلقت عليهم أبواب أوطانهم واستقبل الأشقاء والغرباء وقاسمهم الخبز والماء والمسكن وجد نفسه اليوم يبحث عن غرفة تؤويه أو سقف يحمي أبناءه أو فرصة عمل تحفظ له كرامته

يا للمفارقة!

الشعب السوداني الذي كان يقال عنه إنه وطن الضيوف (بلادي أمان وناسها حنان …حتي الطير يجيها جعان و من اطراف تقيها شبع ) أصبح كثير من أبنائه ضيوفاً على أوطان الآخرين .

الأسماك لا تعرف طريق العودة وحدها ، أما الإنسان فيعرف ولذلك فإن الرسالة للذين خرجوا بحثاً عن النجاة أن يعودوا إلي ديارهم و أن يبقى الوطن في وجدانهم وأن تظل العودة حلماً ممكناً كلما تهيأت أسبابها للذين تعثرت أو تيسرت أحوالهم .

السودان هو المكان الذي يجب أن نعيد بناءه بعد الحرب وهو الوطن و الأم و الاب و الاسرة و البلاد التي مهما تكاثرت عليها المحن لا تزال فيها الأنهار تجري والنخيل واقفاً والسنابل تنتظر موسمها والمساجد ترفع الأذان والبيوت تنتظر أصحابها

ومن نهر النيل ومن الشمالية إلى الشرق ومن كردفان إلى دارفور هناك وطن ينتظر أبناءه ، فيجب علينا ان نسرع العودة إلي الديار ، ولعل كلمات الفنان حمد الريح تلخص شيئاً من هذا الحنين الذي يسكن كل مغترب:

ديارك حلوة… ارجع ليها

دار الغربة ما بترحم

نعم ديارك حلوة حتى وإن تهدمت جدرانها تبقى حلوة ، حتى وإن تغيرت شوارعها تبقى حلوة،

حتى وإن غابت منها وجوه الأحبة تبقى حلوة .

إذا كانت الأسماك العمياء تقفز من الماء بحثاً عن النجاة فإن الإنسان السوداني لم يكن أقل منها اضطراراً إلى القفز من نار الحرب إلى برد الغربة ،

لكن الفرق أن السمكة لا تملك وطناً آخر تحلم بالعودة إليه ، أما نحن فعندنا وطن ، وطن اسمه السودان.

وطنٌ أنهكته الحرب لكنه لم يمت ،وطنٌ نزف كثيراً لكنه ما زال قادراً على النهوض ، ومع استعادة القوات المسلحة والمساندين لها لمناطق ومواقع خلال مسار الحرب، تزداد أهمية أن تتحول مرحلة ما بعد القتال إلى مرحلة أمن وعودة وإعمار ومصالحة وإعادة بناء للنسيج الاجتماعي حتى لا تكون نهاية المعركة العسكرية هي نهاية الطريق بل بداية طريق السودان إلى التعافي ، فلا يكفي أن ننتصر في الحرب

علينا أن ننتصر على آثارها أيضاً ، أن نعيد النازح إلى داره والطفل إلى مدرسته والفلاح إلى حقله والتاجر إلى دكانه والعامل إلى مصنعه وأن تعود المآذن إلى أصواتها القديمة والأحياء إلى ناسها والبيوت إلى أهلها وأن يعود السودان إلى السودانيين جميعاً وطناً آمناً يتسع للجميع ، أما الذين ما زالوا في المنافي، فقولوا لهم:

لا تنسوا الطريق احتفظوا بمفتاح البيت ،احتفظوا برائحة التراب بعد المطر فربما يأتي يوم قريب لا تكون فيه الأسماك وحدها هي التي تعرف طريق العودة إلى مياهها … نحن أيضاً سنعود سنعود إلى كل قرية ومدينة حملتنا بعيداً عنها الحرب ، سنعود لنبني السودان الذي يستحقه أبناؤه فالغربة مهما طالت ليست وطناً ، والوطن مهما تألم يظل وطناً …

ديارك حلوة… ارجع ليها ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى