مقالات

هندسة الوعي (223): إدارة المخاوف وتخصيص وقت القلق* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (223): إدارة المخاوف وتخصيص وقت القلق*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

تضعنا مهارات الاتزان النفسي وإدارة الذات أمام قضية دقيقة تمس يوميات كل إنسان وهي كيفية التعامل مع المخاوف الملحة التي تعكر صفو الذهن وتمنع الاستقرار النفسي. إن محاولة هروب الإنسان من قلقه أو تهميش مخاوفه غالبا ما تؤدي إلى نتيجة عكسية حيث تظل تلك الأفكار تترصد الفرص لتعود بشدة وتستنزف الطاقة العصبية في أوقات العمل أو النوم.

يعلمنا علم النفس المعرفي أن المخرج الفعال لا يكمن في إنكار القلق ولا في الاستسلام الكامل له بل في تقنيات ذكية تعتمد على تخصيص موعد محدد ومحدود لمواجهة هذه الأفكار. فعندما تباغتك فكرة مقلقة أو هاجس مستقبلي أثناء انشغالك بمهامك اليومية فإن التصرف الحكيم هو تدوين هذه الفكرة على ورقة وتأجيل التفكير فيها إلى وقت مخصص يسمى وقت القلق بحيث لا يتجاوز خمس عشرة دقيقة في نهاية اليوم.

إن هذه التقنية تمنح الجهاز العصبي رسالة طمأنة بأن المخاوف لم تهمل بل تم إدراجها في جدول الأعمال لتناولها بوعي. وحين يحين الوقت المخصص يكتشف المرء غالبا أن جزءا كبيرا من تلك المخاوف قد فقد حرارته وتضاءل حجمه مما يسهل تفكيكه وإيجاد حلول عملية له بعيدا عن الانفعال والتوتر.

ويتجلى هذا الفهم بوضوح في واقعنا السوداني المعاش؛ فبين صخب الأحداث اليومية ومتابعة الأخبار المستمرة يجد المواطن نفسه محاطا بسيل من الهواجس حول الغد ومستقبل الأبناء ومتطلبات المعيشة. إن ترك هذه المخاوف تعبر إلى الذهن في كل لحظة يورث الشتات والإرهاق النفسي بينما تدريب النفس على تخصيص وقت محدد للتقييم والتفكير المنظم يمنح الإنسان السكينة والقدرة على الاستمرار في أداء واجباته بثبات وتفاؤل.

إن السيطرة على القلق هي مهارة سلوكية تتطلب التدريب والممارسة لتصفية الذهن وحماية الوعي من الاستنزاف.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نترك الهواجس تعكر علينا كل لحظات يومنا أم نملك الشجاعة لتأطيرها وإدارتها بوعي وحكمة ليصفو حاضرنا ونبني مستقبلنا

 

الأحد 27 سبتمبر 2026م

شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى