ثقافة وفنون

هندسة الوعي (256): قاعدة 10/10/10.. كيف نحرر عقولنا من أسر اللحظة الحالية؟* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (256): قاعدة 10/10/10.. كيف نحرر عقولنا من أسر اللحظة الحالية؟*
بقلم: د. ماهر عز الدين

تضعنا ضغوط الحياة ومفترقات الطرق اليومية أمام اختيارات صعبة قد تشل التفكير وتفقدنا القدرة على الحسم، فحين تجد نفسك غارقاً في أزمة مفاجئة كإلغاء رحلة طيران وتداخل مواعيد العمل مع ارتباطات أسرية ملحة، يميل العقل بطبيعته إلى التوتر والهلع، وهو ما حدث فعلاً مع الكاتبة والمستشارة الإدارية الشهيرة سوزي ويلش حين وجدت نفسها في مطار تائهة بين خيارات مدمرة، لتخترع لنفسها في تلك اللحظة أداة نفسية عبقرية أصبحت اليوم واحدة من أشهر قواعد اتخاذ القرار وأكثرها نجاعة لدى كبار القادة والمديرين حول العالم، وهي قاعدة 10 / 10 / 10.
يعلمنا علم النفس العصبي أن الإنسان إذا أقدم على خلع ضرس مسوس، فإن نظره للثلاث دقائق الأولى سيجعله يرتجف هلعاً ويهرب من عيادة الطبيب بسبب حقنة البنج وألم اللحظة، بينما لو وسع عدسة إدراكه ونظر إلى الأمر بعد عشرة أشهر أو عشر سنوات، لادرك أن ألم الدقائق المعدودة هو طوق النجاة الوحيد الذي يحميه من سنوات طويلة من الوجع وتلف الفك الكامل. إن معظم قراراتنا الفاشلة ناتجة عن رؤية تحت الأنشطة، فنحن نهرب من مواجهة صعبة مدتها دقائق، كرفض ابتزاز عاطفي أو بداية عمل شاق، لندفع الثمن فادحاً من أعمارنا وراحة بالنا لسنوات طويلة طاحنة. وقد أثبت عالمان النفس تروبي وليبرمان في نظرية مستوى البناء العقلي أن الغارق في تفاصيل اللحظة يعمل دماغه على المستوى المنخفض للتفكير الذي يضخم المشاعر المؤقتة، وما إن يسأل الإنسان نفسه عن المدى البعيد حتى ينتقل فوراً للمستوى المرتفع للتفكير الذي يطفئ مراكز الانفعال ويشعل مراكز الحكمة والتخطيط الاستراتيجي.
وقد حذر القرآن الكريم في محكم تنزيله من هذا الفخ النفسي العاجل بقوله تعالى: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، كما وضع الحكماء في تراثنا المجيد ميزاناً دقيقاً لقطع دابر الحيرة حين قالوا: إذا اشتبه عليك أمران فانظر أقربهما من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يفسد على الإنسان عواقبه اتباع راحة ساعته، تأكيداً على أن القرار المريح لحظياً هو غالباً مدمر مستقبلياً.
وهناك مثل سوداني حكيم يجسد هذا المعنى بدقة بالغة حين يقولون: كتلوك ولا جوك، في إشارة إلى أن المماطلة وتأجيل المواجهة والتردد الدائم أشد وقعاً وضرراً على النفس من حسم الأمور ومواجهة النتائج مهما كانت قاسية، تماماً مثل مقولة العرب التاريخية: قطيعة الرأي تعني هلاكه، أو مقولة الإمام علي رضي الله عنه: إذا همت بأمر فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه.
إن هندسة الوعي الحقيقية تقتضي منا ألا نسجن قراراتنا في سجن اللحظة، بل أن نوسع آفاق البصيرة لنرى عواقب الأمور بوعي وثبات.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واعٍ اليوم: ما هو القرار المؤجل الذي تخشاه اليوم وتتهرب من مواجهته، وكيف ستختلف نظرتك إليه لو طبقت عليه قاعدة المستقبل ووزنته بعيون السنوات القادمة؟

السبت 31 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول أدوات اتخاذ القرار وتجاوز فخ اللحظة في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة وبناء الوعي المشترك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى