ثقافة وفنون

هندسة الوعي (250): عودة المدارس والجامعات.. معركة الأمل وسط ضغوط الحياة* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (250): عودة المدارس والجامعات.. معركة الأمل وسط ضغوط الحياة*
بقلم: د. ماهر عز الدين

تضعنا التحولات اليومية والمحطات الاجتماعية الحساسة أمام اختبار حقيقي لمعدن الإنسان واستقراره النفسي. فحين يتزامن قرار استئناف الدراسة ونزول الطلاب إلى المدارس والجامعات مع شح الوقود، واشتعال أسعار المواصلات، وارتفاع تكلفة الخبز والمتطلبات المعيشية الأساسية، تجد الأسرة نفسها في مواجهة معقدة تتجاوز حدود تدبير الميزانية إلى صراع يومي يستنزف الطاقة والهدوء الداخلي.
تؤكد التحليلات الاجتماعية والسلوكية أن الأزمات المعيشية الخانقة حين تضغط على كاهل رب الأسرة وأولياء الأمور، تخلق نوعاً من التوتر النفسي والغياب الذهني الذي قد ينعكس سلباً على الأبناء وعلى البيئة الأسرية بكاملها. إن الوقوف في طوابير الخدمات أو التفكير المجهد في كيفية توفير مصاريف الترحيل اليومية وجبة الإفطار يُعد استنزافاً مادياً ونفسياً جسيماً؛ غير أن الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن التعليم والتمسك ببناء عقول الأجيال هو جدار الدفاع الأخير عن مستقبل مجتمعنا وهويته.
وقد دلت التوجيهات القرآنية والسنة النبوية المطهرة على قيمة الصبر عند الملمات، وضرورة التكافل والسعي في طلب العلم مهما بلغت المشاق. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله تحفيزاً للهمم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على العلم وتذليل عقباته: (من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سَهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة). إن هذه التوجيهات العظيمة تمنحنا الطاقة الإيمانية والصلابة النفسية للعبور فوق جراح الواقع، وتحويل الضغوط المعيشية إلى طاقة إصرار وتحدي.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح مطلق في تفاصيل واقعنا المعاش . ففي كل بيت سوداني مكافح اليوم، نرى تضحيات جساماً تقدمها الأمهات والآباء لتأمين احتياجات أبنائهم وبناتهم والعبور بهم نحو مقاعد الدراسة. إن هذا الواقع القاسي يفرض علينا جميعاً تفعيل قيم التكافل الاجتماعي والتراحم. من خلال المبادرات المجتمعية لترحيل الطلاب، وتشارك وسائل النقل، ودعم الأسر المتعففة، والتخفيف عن كاهل بعضنا البعض. إن معركة وعينا اليوم تتجلى في ألا نجعل من الغلاء وندرة الخدمات عائقاً يحرم أبناءنا من حقهم في التعليم والنمو.
إن قدرة الأسرة والمجتمع على الصمود وتجاوز عقبات الغلاء وندرة الوقود هي العبور الحقيقي نحو صناعة الأمل وحماية المستقبل.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم: كيف نحول هذه الضغوط المعيشية والقاسية إلى ملحمة تكافل وتراحم تصون حق أبنائنا في التعليم وتحمي أمل أجيالنا القادمة؟

السبت 24 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم بمناسبة المقال الـ 250 في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة وبناء الوعي المشترك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى