هندسة الوعي (245): طبيعة العطاء وثبات المبدأ* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (245): طبيعة العطاء وثبات المبدأ*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا العلاقات الإنسانية والمواقف اليومية أمام واحدة من أقسى الصدمات النفسية؛ وهي حين نقدم الدعم والعون لأشخاص ننتظر منهم الوفاء، فنجد في المقابل جحوداً أو أذى يطال أيدينا التي امتدت بالخير. يروى في الحكايات الرمزية أن رجلاً صالحاً رأى عقرباً يغرق في النهر فمد يده لينقذه، فما إن مسكه حتى لدغه فوقع في الماء، وحين كرر محاولة إنقاذه متعجباً من مراقب بعيد يقول له إن العقرب لن يتغير، أجابه بعبارة عميقة: “إن طبيعة العقرب أن يلدغ، وإنما طبيعتي أن أساعد، فلِمَ أسمح لطبيعته الوحشة أن تغير من طبيعتي الحلوة؟”.
يعلمنا التخطيط السلوكي وعلم النفس الاجتماعي أن الجحود ونكران الجميل هما اختبار حقيقي لثباتنا الداخلي وأخلاقنا. إن أسهل ما في الدنيا أن يتحول الإنسان إلى شخص قاسٍ وناقم يكره الجميع ورد الإساءة بمثلها، لكن الاحتفاظ بالنقاء الداخلي والثبات على أصل العطاء رغم قبح التجربة هو دليل القوة والصلابة النفسية. إن الاحتفاظ بالغل والحقد تجاه من أساء إليك يشبه تماماً من يبلع السم متوقعاً أن يتأثر غيره؛ فأنت وحدك من تكتوي بنار الحقد والألم.
وقد دلت التوجيهات القرآنية والسنة النبوية المطهرة على أهمية العفو، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والتمسك بالقيم النبيلة بغض النظر عن ردود أفعال الآخرين؛ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في التوجيه النبوي الشريف مؤكداً على الخلق الكريم: “صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك”. إن المؤمن لا يغير مبادئه بناءً على أهواء الناس أو جحودهم، بل يعاملهم بأصله الطيب.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح مطلق في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي خضم الأزمات والظروف القاسية التي تفبرك الضغوط وتختبر معادن الرجال، نرى كيف يصرّ الكثير من أبناء وطننا الأوفياء على تقديم المساعدة والتكافل رغم شح الإمكانات، وكيف يواجهون أحياناً الجحود بفيض من الصبر والتسامح. إن وعينا الحقيقي يفرض علينا ألا نسمح لمرارة المواقف أن تسرق منا نقاء سريرتنا، مع ضرورة وضع الحدود الذكية وتقليل التعامل مع من لا يتقنون فن التقدير، فالصديق الوفي الحقيقي خير من ألف ممن سواهم.
إن حماية نقاء القلب والثبات على قيم العطاء والإحسان هي الحصن الآمن الذي يحمي وعينا من التلوث بالبغضاء ويصون تماسك مجتمعنا.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم: هل نسمح لجحود الآخرين أن يغير طباعنا النقية أم نثبت على مبادئنا وندير علاقاتنا بحكمة ووعي دون أن نفقد أنفسنا إنسانيتها؟
الأحد 18 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة