ثقافة وفنون

هندسة الوعي (241): فخ الطلب المادي وقانون الوفرة* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (241): فخ الطلب المادي وقانون الوفرة*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

تضعنا حقيقة الدعاء وتوجيه القلوب نحو الخالق أمام مفاهيم دقيقة تحتاج منا إلى مراجعة عميقة لوعينا الإيماني والنفسي؛ وهي أن الإنسان قد يقف بين يدي الله داعياً وملحاً في طلب الجزئيات المادية الزائلة، متناسياً أن رب الأسباب يملك الأصل الذي تتفرع عنه كل تلك العطايا. فحين تختزل أمنياتنا ودعواتنا في حدود المادة الضيقة، كأن نطلب المال وحده أو الوظيفة بعينها أو الشفاء الظاهري فقط، فإننا نبقى أسرى للاحتياج والترقب، تماماً مثل من يتعلق بالسمكة الجاهزة وينتظر من يمن بها عليه، بدل أن يتعلم أصل الصيد والامتلاك الحقيقي لمفاتيح الرزق والتمكين.

يعلمنا التخطيط السلوكي وعلم النفس الإيماني أن الشيطان ووساوس النفس تحرص دائماً على إبقاء الإنسان في دائرة الفقر الداخلي والاحتياج الدائم للمادة، تماماً كما جرى مع سيدنا آدم حين غُري بملك الخلود الزائل فنسي أصل النعمة والكرامة التي أُكرم بها. إن النظرة القاصرة التي تقف عند حدود الشكل والمظهر تجعلنا نلهث خلف الأشياء وهي تنفض من أيدينا، بينما الدعاء الواعي الحكيم يتجاوز المظهر إلى الجوهر؛ فحين ندعو بالوفرة بدل المال، وبالعافية والاتزان بدل الشفاء المجرّد، وبالسكينة والاستقرار بدل البيت المادي، فإننا نطلب أصل الشيء ومصدره من خزائن الله التي لا تنفد.

وقد دلّت التوجيهات القرآنية والسنة النبوية المطهرة على هذا المعنى العظيم في تفويض الأمر لله وطلب المعاني الكلية التي تجمع الخير كله؛ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء الجامعة الشاملة: “اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة”. إن بناء اليقين الداخلي وملء القلب بالرضا والتوكل هو الذي يجذب الخيرات وصناعة التحول الجذري في حياة الإنسان، فقانون الوجود يؤكد أننا نجذب ما نحن عليه من طاقة ويقين لا ما نتمنى باهتزازة وخوفه فقط.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح مطلق في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل الظروف القاسية وشح الإمكانات المادية التي تعاني منها أسرنا ومجتمعاتنا، نرى بوضوح أن من يربط أمله وطاقته بالمادة وحدها يزداد إرهاقاً وقنوطاً، بينما المواطن الواعي والمكافح الذي يربط قلبه برب الأسباب ويدعو بالفرج الشامل والبركة والاتزان، يجد من لطف الله ما لم يكن في الحسبان. إن التكافل والصبر والثقة المطلقة بالله هي الأصول التي تغنينا رغم قسوة الظروف.

إن الانتقال من فخ الطلب المادي الضيق إلى رحاب الدعاء بالجوهر والوفرة والسكينة هو السبيل الأمثل لهندسة وعينا وحماية نفوسنا وتحقيق ما نرجوه من استقرار ونهوض.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نواصل الدعاء بالأشياء الزائلة ونبقى تحت رحمة الاحتياجات المادية أم نرتفع بوعينا لنطلب أصل النعم وبركاتها من مالك الملك ومدبر الأمور؟

 

الخميس 15 أكتوبر 2026م

شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى