هندسة الوعي (233): حجب المشتتات والتركيز على خط النهاية* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (233): حجب المشتتات والتركيز على خط النهاية*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا دراسات السلوك وإدارة الانتباه أمام حقيقة إدارية ونفسية بالغ الأهمية وهي أن تشتت الفكر وكثرة الالتفات إلى الجوانب يمثلان الخطر الأكبر الذي يهدد نجاح الإنسان ويعطل مسيرة إنجازه. ففي سباقات الخيل العالمية، يضع المروضون قناعاً خاصاً على عيني الحصان يحجب الرؤية الجانبية، لحمايته من التشتت بقطع الطريق والحد من الالتفات للمنافسين على جانبي المضمار، مما يضمن توجيه كل طاقته وسرعته نحو خط النهاية المباشر.
هذا المفهوم يعكس تماماً الطبيعة البشرية في مواجهة أهداف الحياة؛ إذ يقع الكثيرون في فخ المقارنة المستمرة ومراقبة خطوات الآخرين والإصغاء للضجيج المحيط بها، مما يستنزف طاقتهم الذهنية ويفقدهم البوصلة الحقيقية. إن معظم الإخفاقات التي تواجه الأفراد والمؤسسات لا تنبع من قلة الموارد أو ضعف الإمكانات، بل تتشكل بسبب تشتيت الانتباه في الف مسألة جانبية لا تخدم الهدف الأساسي.
إن الوعي الاستراتيجي يتطلب منا امتلاك القدرة على حجب المشتتات والتركيز الكامل على المضمار الخاص بنا. فالتركيز المباشر والتغاضي عن مقارنة النفس بالآخرين هما أسرع الطرق لتحقيق الإنجازات العظيمة والوصول إلى الغايات المنشودة بكرامة وثبات.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل كثرة الشائعات والأخبار المتضاربة والضغوط اليومية، يحتاج الكادر العامل، والمهندس الميداني، والمواطن المكافح إلى حجب ضوضاء الأزمة والتركيز الصارم على واجبات اليوم وإصلاح المتاح. إن الاستغراق في مراقبة التفاصيل الجانبية يبعث على المحبطات، بينما الشروع في أداء المهمة المباشرة هو الذي يحقق الصمود ويصنع التعافي المنشود.
إن حراسة الانتباه وتوجيه الطاقات نحو الهدف الذاتي هما الحصن الحقيقي الذي يضمن لنا الوصول إلى بر الأمان واستعادة الفاعلية والإنتاج.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نملك الشجاعة لحجب المشتتات والتركيز على مضمارنا الخاص أم نستمر في الالتفات المقارن الذي يستنزف جهودنا ويعطل وصولنا
الأربعاء 7 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة