ثقافة وفنون

هندسة الوعي (231): صناعة البيئة الحاضنة وتجاوز مثبطات النجاح* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (231): صناعة البيئة الحاضنة وتجاوز مثبطات النجاح*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

تضعنا مفاهيم التربية النفسية وتخطيط السلوك أمام حقيقة فكرية جليلة، وهي أن قدرة الإنسان على تحقيق أهدافه وتفجير طاقاته الإبداعية تعتمد بشكل مباشر على طبيعة المحيط الفكري والاجتماعي الذي يتواجد فيه. إن المحيطين بالمرء يمثلون إما جسراً ينقله نحو المعالي أو جداراً يثبط همته ويحاصره في دوائر العجز والانكفاء.

يشبه هذا السلوك السيكولوجي نمو الأشجار والنباتات؛ فالفسيلة الصغيرة مهما بلغت جودتها ومتانتها لن تؤتي أكلها ولن تتسامق فروعها إذا غُرست في تربة قاحلة تنعدم فيها مقومات الحياة أو وُضعت في بيئة تحجب عنها الضوء والهواء. وفي المقابل، فإن البذرة البسيطة حين تحظى برعاية صالحة وتربة خصبة تتفتح أوراقها وتثمر خيرات وفيرة. وكذلك العقل البشري يذبل وسط المحبطين والمشككين، بينما يتألق ويثمر حين يحاط بالداعمين وأصحاب الهمم العالية.

إن الوعي الذاتي يقتضي منا امتلاك الشجاعة والقدرة على اختيار البيئة الفكرية والاجتماعية التي نعيش فيها ونستمد منها طاقاتنا. فاختيار الرفقة والابتعاد عن مناخ السلبية والتشاؤم يعتبران خطوة أساسية لحماية الوعي وبناء الصلابة النفسية، مما يمنح الفرد والمؤسسة القدرة على الاستمرار والابتكار مهما بلغت شدة العواصف الخارجية.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي وسط محن الحرب وظروف التعافي الصعبة، أثبتت المبادرات المجتمعية وغرف الطوارئ وتجمعات التكافل أن البيئة الإيجابية الحاضنة هي التي صنعت الفارق ورممت جراح المجتمع. إن إلتفاف أبناء الوطن حول بعضهم وإشعال قناديل الأمل والعمل الجماعي هما اللذان مكّنا المؤسسات والأفراد من الصمود وإعادة الحياة إلى شرايين المدن والقرى.

إن صناعة البيئة المحفزة والتمسك بأصحاب الأمل والعمل هما السبيل الوحيد لحماية أحلامنا وتحويل أفكارنا إلى واقع مشرق يخدم أمتنا ومجتمعنا.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نراجع طبيعة البيئة التي نحيط بها أنفسنا ونختار بعناية من يرفع همتنا أم نستسلم للمناخات المصبطة التي تستنزف طاقتنا وتعيق مسيرتنا نحو التعافي والنجاح

 

الإثنين 5 أكتوبر 2026م

شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى