مقالات

هندسة الوعي (209): بين الزينة والجوهر.. ما يبقى حين يزول كل شيء*  بقلم: د. ماهر عزالدين

*هندسة الوعي (209): بين الزينة والجوهر.. ما يبقى حين يزول كل شيء*

بقلم: د. ماهر عزالدين

 

تستوقفني في سورة الكهف آية جامعة تعيد ترتيب الأولويات العميقة للنفس البشرية، وتكشف جوهر الأشياء بعيداً عن أوهام التعلق: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً.) إن هذه الآية لا تذم المال ولا تنكر حب البنين، ولا تطالب الإنسان بالاعتزال أو رفض مباهج الحياة، بل تضع تشخيصاً دقيقاً لمعادلة الوجود؛ فالمال والأبناء زينة تجمّل الحياة وتسر الخاطر، لكنها تبحث في إطار الدُّنْيَا، وهي زينة زائلة ومتحولة وليست أصلاً ثابتاً ولا ضامناً للظروف.

تأمل البناء البياني العجيب؛ لم يقل الحق سبحانه وتعالى المال والبنون هم الحياة، بل وصفهم بـ زِينَةُ، ليفرق بين جوهر الشيء وبين ما يحفه من مظهر عابر. ثم نقل القرآن بوصلة الاهتمام من المؤقت المتبدل إلى الممتد الأبدي: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ. لم يقل الأشياء الجميلة أو الكثيرة، بل وصفها بـ الْبَاقِيَاتُ؛ لأن المال قد ينتهي والولد قد يغيب والدنيا تتغير في لحظة خاطفة، أما العمل الصالح والأثر الطيب والمبدأ الراسخ فهو وحده الذي يتحدى الفناء ويبقى أثره شامخاً. وتختم الآية بتوجيه الأمل في قوله خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً؛ لتخبرك أن أصدق الأمل وأبقى الرجاء هو ما أودعته عند الله، حيث لا يضيع جهد ولا ينزل أجر.

وعندما نسقط هذا الوعي على واقعنا السوداني المعاصر، نجد أن هذه الآية تمثل بلسم شافي لمجتمع تجرع مرارة التحول الفجائي؛ حيث فقد الناس في لحظات خاطفة أموالاً طائلة، ودوراً عامرة، وتفرقت أسر وتغيرت المظاهر التي كانت تحيط بهم. إن الصدمة الحقيقية تكمن في التعلق بالزينة واعتبارها هي الميزان الوحيد للأمان. والوعي القرآني يأتي اليوم في يوم الجمعة المبارك ليعيد بناء النفس المنكسرة، مبيناً أن فقدان المظاهر الزائلة لا يعني ضياع القيمة، وأن الأثر الحقيقي للمواطن الصابر يتجلى فيما يبقيه من باقيات صالحات؛ في إيمانه الشامخ، وتكافله مع جيرانه، وأخلاقه التي لم تتغير أمام المحن، وعطائه الممتد في أوقات الشدة.

إن المطلوب اليوم ليس الزهد السلبي ولا رفض زينة الدنيا متى ما تحققت، بل فهم حجمها الوظيفي؛ استمتع ببيتك ومالك وأبنائك واعمل لاستقرارهم، لكن لا تجعل هذه الزينة هي الغاية المطلوبة ولا مصدر الأمان الوحيد. خذ من الدنيا ما يزين أيامك، وازرع في طريقك الخير، فإن الزينة تفيء وتزول، بينما الخير وأثره يمتد ويطول.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل واحد منا في هذا اليوم المبارك: هل نستمر في التعلق بما يمكن أن يزول في لحظة، أم نعيد بناء حياتنا وأملنا على ما يبقى ولا يضيع عند الله؟

الجمعة 4 سبتمبر 2026م شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى