*هندسة الوعي (207): قطع الاتكالية وعقدة المفاخرة بالماضي*

*هندسة الوعي (207): قطع الاتكالية وعقدة المفاخرة بالماضي*
بقلم: د. ماهر عزالدين
تستوقفني في القرآن الكريم لفتة بيانية متكررة تحمل تقريرا حاسما لمبدأ المسؤولية الفردية والمباشرة: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). إن تكرار هذه الآية في سورة البقرة يقدم معالجة جذرية لمرض فكري ونفسي تصاب به المجتمعات عند التعثر، وهو الهروب من استحقاقات الحاضر عبر الاحتماء بأمجاد الماضي والاعتزاز بالإرث دون تقديم عمل ملموس.
تأمل البناء القرآني المحكم؛ لم ينكر القرآن فضل السابقين ولا إنجازاتهم، بل وضع حدا فاصلا بين أجر من مضوا وبين مسؤولية من خلفوا. القرآن هنا يفكك عقدة الاتكالية التي تجعل الإنسان يظن أن نبل آبائه أو سابقة مجتمعه يعفيه من بذل الجهد اليوم. إن القيمة الحقيقية للوعي الإنساني تتجلى حين يدرك المرء أن التاريخ لا يمنح حصانة للمتأخرين، وأن ميزان العدل الإلهي والسنن الكونية يحاسب كل جيل على ما قدمت يداه في واقعه المباشر.
وعندما نسقط هذا المفهوم على واقعنا السوداني المعاصر، نجد أننا أحوج ما نكون إلى استيعاب هذا الدرس القرآني الصارم. لقد أطالت مجتمعاتنا الوقوف عند المفاخرة بتاريخ التكافل القديم، وأصالة الموروث، وإنجازات الأجيال السابقة، بينما يتطلب واقعنا الراهن عملا ميدانيا يبني من جديد وسط الركام. بل إننا نرى صورة جلية لهذه الاتكالية في قتالنا المستميت وصراعاتنا المحمومة لانتساب تاريخ سحيق وصناعة أمم سادت ثم بادت؛ كحضارات كوش وكرمة وغيرها، حيث نستهلك طاقتنا في المباهاة بما بناه أجدادنا الأوائل، في حين أننا نقف اليوم عاجزين عن صناعة القليل من الإنجازات التي تليق بحاضرنا، وكأن الانتماء لآثار الماضي يعوض عجز الحاضر. إن التغني بالماضي لا يسد رمق محتاج، ولا يعيد تشغيل مدرسة، ولا يرمم نسيجا اجتماعيا فرضت عليه الأزمات واقعا جريحا.
إن النهوض الحقيقي يبدأ حين نتحرر من حالة الاستغراق في تحسُّر على ما كان، وننتقل إلى صناعة ما يجب أن يكون. إن الجيل الحالي في السودان مطالب بكتابة رصيده الخاص من الصمود والإنتاج والتضامن، دون الانتظار لعمق تاريخي أو حلول جاهزة تعوض غياب السعي المباشر. فكل إنسان مسؤول عن المساحة التي يقف عليها اليوم، وعن الأثر الذي يتركه في محيطه.
إننا بحاجة إلى بناء وعي عملي يرسخ قيمة الإنجاز الفردي والجماعي الراهن؛ فنقيس القيمة بحجم العطاء والمبادرة في الأزمة، لا بحجم الشعارات الموروثة، مدركين أن التاريخ لا يرحم المتفرجين، وأن بناء المستقبل يتطلب أيدي تعمل في الحاضر.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل مواطن في واقعنا اليوم: هل نكتفي بالاعتزاز بصفحات الماضي وأمجاد الآباء، أم نبدأ في كتابة صفحاتنا الخاصة بالعمل والسعي الصادق؟
الأربعاء 2 سبتمبر 2026م شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.