مقالات

هندسة الوعي (204): تفكيك الفطرة.. حرب المصطلحات وتفكيك الأسرة* 

*هندسة الوعي (204): تفكيك الفطرة.. حرب المصطلحات وتفكيك الأسرة*

بقلم: د. ماهر عزالدين

 

تستوقفني في واقعنا المعاصر حالة غريبة من الحشد الفكري المنظم، الذي يسعى جاهدا لضرب أقدس نسيج يقوم عليه المجتمع الإسلامي، وهو نسيج الأسرة ورابطة المودة بين الرجل والمرأة. نعيش اليوم في عالم الفضاء الرقمي زحفا متواصلا من خطابات تصنع الصراع وتغذي الاستقطاب؛ حيث ظهرت منصات وتيارات ترفع شعارات ظاهرها حقوقي أو تنموي كدعوات النسوية المتطرفة، وفي المقابل نشأت ردود أفعال تروج للتحالفات الذكورية الجافة، لينتهي المشهد بتحويل العلاقة بين الجنسين إلى حلبة مصارعة مستمرة، وتخندق واستعلاء يبحث كل طرف فيه عن النصر وإثبات الذات على حساب الآخر.

​إن التأمل الفكري المحايد يكشف أن هذه الصراعات ليست نتاج تطور طبيعي للمجتمعات، بل هي معارك وهمية جرى ضخها وتغذيتها بعناية في الفضاء العام؛ لإبدال مفاهيم السكن والرحمة بمصطلحات الصراع والسيطرة. نرى عبر المنصات ترويج استحقاقات زائفة، ورسائل تزرع الشك والتربص المتبادل، وصولا إلى تطبيع أنماط سلوكية شاذة وتلميع قصص تفكك الفطرة السليمة، وكل ذلك يهدف في عمقه إلى تفريغ المجتمع من قوته الحقيقية، وإشغال أبنائه بحروب جانبية تدمر الأسرة التي هي الحصن الأخير للاستقرار والتماسك الأخلاقي.

​وعندما نسقط هذا الوعي على واقعنا السوداني المعاصر، نجد أن مجتمعنا الذي صمد أمام الأزمات العاتية بفضل التماسك الأسري والتكافل الفطري، هو المستهدف الأول بهذه الدعوات الوافدة. إن البيت السوداني لم يبن عبر التاريخ على الصراع والتقاضي، بل بني على التكامل البسيط الواعي؛ فالرجل الفطري يرى في قوته سياجا لحماية أهله وتقدير رقة المرأة، والمرأة الفطرية ترى في بيتها وأسرتها سكنا ورعاية وتبادلا للمودة. وحين تحاول جهات مشبوهة إدخال مصطلحات المستنقعات الصادمة إلى بيوتنا، فإنها تسعى لسرقة هذه السكينة وتفكيك أركانها.

​إن المخرج الحقيقي لا يكمن في الانجرار خلف أطراف النزاع، ولا في اتباع قطعان الصراع النسوي أو الذكوري، بل في شجاعة العودة إلى الفطرة التي خلقنا الله عليها: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. الحب في المفهوم الإسلامي ليس سباقا لنيل السلطة، ولا معركة لإثبات من الأقوى، بل هو رحلة كاملة يكتمل فيها كل طرف بالآخر، ويجد فيها كل إنسان سكنا يلتجئ إليه وسط ظروف الحياة الضاغطة.

​يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واعي في مجتمعنا اليوم: هل نسمح للأجندات الرقمية والشعارات المستوردة بأن تسرق منا الدفء الفطري وتفكك بيوتنا، أم نعيد ترتيب البيت والوعي على قواعد السكن والرحمة والتكامل؟

​الأحد 30 أغسطس 2026م شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى