هندسة الوعي (203): وهم المقاييس.. حين يكون الرزق ابتلاءً لا وساماً*

**هندسة الوعي (203): وهم المقاييس.. حين يكون الرزق ابتلاءً لا وساماً*
بقلم د. ماهر عزالدين
تستوقفني آيات سورة الفجر كأنها تشرّح أحوال النفس البشرية وتفكك أوهامها حول الميزان الحقيقي للمنزلة والكرامة: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. يقع الكثيرون في فخ وهمي قديم؛ يربطون فيه بين الوفرة المادية ورضا الله، وبين الضيق والفقر والغضب الإلهي، وكأن كثرة المال وسام تكريم، وقلته علامة هوان.
لكن القرآن يقطع هذا السلوك التفكيري بكلمة حاسمة واحدة: {كَلَّا}. ردع زاجر يدمدم الاعتقادين معاً؛ لتصحيح المفاهيم وتجريد الماديات من دلالات التفاضل الروحي. فليس توسيع الرزق دليلاً على الحب والإكرام، وليس تضييقه برهاناً على الإهانة والخذلان، وإنما الرزق في أصله وسيلة اختبار وابتلاء، كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}. فالمال اختبار للشكر والمسؤولية، والفقر والضيق اختبار للصبر والتجمل، وكل منهما ساحة امتحان لمعدن الإنسان.
وعندما نسقط هذا الوعي على واقعنا السوداني المعاصر، حيث فرضت الظروف والأزمات تداعيات اقتصادية حادة، وانتقل الناس من سعة إلى ضيق، ومن استقرار إلى عوز، ندرك أهمية إعادة التوازن الفكري والنفسي. إن فقدان المال أو تراجع الأسباب ليس عقوبة ولا خفضاً لشأن المواطن الصابر، كما أن الوفرة لدى البعض ليست تشريفاً يمنحهم الاستعلاء. قيمة الإنسان الحقيقية في هذا الواقع المتلاطم ليست بما يملك في جيبه أو حوزته، بل بما يحمله في قلبه من قيم، وما يقدمه من عمل صالح وتكافل مع مجتمعه، لأن الله يجري الأرزاق بحكمة بالغة: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}.
إننا بحاجة اليوم إلى غرس هذا اليقين في بيوتنا ومجتمعاتنا؛ لنتحرر من الشعور بالانكسار أمام ضيق الأسباب، ونغلق أبواب الحسد والتعالي. فالابتلاء بالشدة ليس هواناً، والابتلاء بالرخاء ليس حصانة، وإنما العبرة بثبات الموقف وصحة العمل في كلتا الحالين.
السبت، 29 أغسطس 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات.