مقالات

*هندسة الوعي (200): أسبقية الوهن وتماسك العزيمة الداخلية

*هندسة الوعي (200): أسبقية الوهن وتماسك العزيمة الداخلية*

بقلم: د. ماهر عزالدين

 

تأتي الآية الكريمة بترتيب بياني عجيب يلفت النظر إلى قانون نفسي وحركي في غاية الأهمية؛ حيث قال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا}. لم يقل الحق سبحانه “ولا تحزنوا ولا تهنوا”، بل قدم النهي عن الوهن على النهي عن الحزن. هذا التقدم البليغ يحمل في طياته تشخيصاً دقيقاً لمكامن الخطر التي تهدد مسيرة الإنسان ومؤسساته في أوقات الشدائد والأزمات.

الوهن في جوهره يمثل ضعف العزيمة، وانكسار الإرادة، وفقدان القوة الداخلية التي تحرك الفرد. بينما الحزن هو شعور إنساني طبيعي يتدفق كنزيف نتيجة لما يفقده المرء، أو نتيجة للمصائب والآلام التي يمر بها. الآية تشير بوضوح إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد الشعور بالحزن، بل في السماح لهذا الحزن بأن يتحول إلى وهن يحطم الإرادة ويشل الحركة. الحزن رد فعل بشري تلقائي، أما الوهن فهو استسلام مستمر لذلك الشعور حتى يسيطر على مقاليد النفس ويمنعها من مواصلة الطريق.

ونحن في الواقع السوداني المعاصر نعيش هذا المعنى في تفاصيل يومنا؛ فالمرأة التي فقدت بيتها أو مشروع عمرها بسبب ظروف الحرب، أو التاجر الذي خسر تجارته وسوقه، يحزنون بطبيعة الحال، وهذا حزن مشروع لا يعاب على صاحبه. لكن الفارق الجوهري يظهر في أولئك الذين أصروا من وسط الركام والنزوح على فتح دكان صغير، أو تأسيس مبادرة تكافلية لإطعام جيرانهم في الحي، أو مواصلة تعليم أبنائهم تحت كل الظروف. هؤلاء حزنوا ولكنهم رفضوا الوهن؛ فلم تكسر الأزمة عزيمتهم، ولم تشل الحركة في أيديهم.

لهذا السبب تحديداً، جاء التوجيه الإلهي بالنهي عن الوهن أولاً؛ فالإنسان إذا حافظ على قوة قلبه وصلابة عزيمته، استطاع أن يتجاوز أحزانه مهما عظمت وتراكمت أسبابها. أما إذا استسلم للوهن وسكن الضعف في داخله، فإن الحزن يجد طريقه بسهولة إلى قلبه، ليثقل حياته ويكبل طاقته عن الإنجاز والنهوض.

هذا الترتيب لا يعلمنا كيف نلغي الألم من حياتنا، فالألم وتجرع مرارة الظروف جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، لكنه يعلمنا كيف لا نتحول إلى أسرى لهذا الألم. قد تحزن على ما مضى ولكن لا تضعف، وقد تتألم لواقعك ولكن لا تستسلم، وقد تخسر موقفاً أو جولة ولكن لا تتكسر إرادتك الداخلية. إن الفرق بين من يستمر ويقود مجتمعه ومؤسسته نحو التعافي، وبين من يتراجع، يكمن في مدى حماية الصلابة النفسية والعزيمة من التآكل.

في القيادة والمؤسسات والعمل التنموي، يمثل الوهن العدو الأول للنجاح؛ لأنه يطفئ جذوة المبادرة ويسلب الفرق قدرتها على الصمود والمواجهة. إن حماية الصلابة الذهنية وإبقاء شعلة الأمل متقدة هما الخط الدفاعي الأول لإعادة بناء ما انكسر وتجاوز العثرات.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من يمر بلحظات ضاغطة: هل الخطر الحقيقي يكمن في الشعور بالحزن نفسه، أم في الاستسلام للوهن الذي يعطل الإرادة ويشل الحركة؟

الأربعاء 26 أغسطس 2026م

شاركونا آراءكم وانطباعاتكم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى