هذا توقيعي …انصاف العوض….البرهان في موسكو.. لهيبة الدولة أكثر من وجه

هذا توقيعي …انصاف العوض….البرهان في موسكو.. لهيبة الدولة أكثر من وجه
منذ أن اندلع التمرد اللعين في البلاد، لم أتذوق طعم التلاقي والتلاقح الخارجي بين السودان وسمائه وأرضه. عاصفة من الانتهاكات، وآذان لا تسمع إلا القتل والتهجير، ونحن نتنقل من مكان إلى مكان ننشد الأمن والسلام.
وإن كان النزوح بالداخل، رغم ويلاته، قد خفف علينا شعور الغربة والتهجير.
حتى سمعت الروس وهم يغنون أغنية “وطني السودان” بلسان عربي وإحساس سوداني وعاطفة روسية لا تعرف المداهنة والتملق ولا تُشترى بالدراهم.
نعم، ضجت زيارة رئيس مجلس السيادة ورئيس الشعب السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى روسيا بزحمة معاني ودلالات ومشاعر شديدة التشابك، غزيرة المخرجات. فهي لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة أو مشاركة في محفل دولي إقليمي متعدد الأبعاد، محتشد بالشراكات الإفريقية الآسيوية الضاربة في القدم والناحتة لشكل التعاون والتحالف الجديد بين القارة السمراء والدب الروسي، بل كانت لحظة مفصلية أعادت رسم خريطة التحالفات السودانية، وكتبت فصلاً جديداً من فصول الدبلوماسية الرصينة التي تستند إلى سيادة القرار الوطني.
في قلب موسكو، عاصمة القرار الدولي المتوازن، مُنح السودان ما يستحقه من تقدير، ومُنح قائده ما يليق به من تكريم، وانتزع السودان ما يستحقه من شراكات استراتيجية تحفظ ثرواته من النهب.
ودلالات المشاركة ومكاسبها يصعب حصرها بين المقروء والمحسوس والمرئي. هناك، في كل زاوية، خوافٍ تحمل رسائل في كل الاتجاهات، والسودان يسترد عافيته ويغسل عن وجهه الصبوح كدر التمرد ودُخان الحرب، ويلبس حُلل العافية وإعادة الإعمار، وأبناؤه يأتون كل يوم جماعات وفرادى يعفرون كرامتهم بترابه الطاهر.
روسيا تزيد الكيل بعيراً، فمن قلب معقل الدبلوماسية الروسية، منحت جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO) – أعرق جامعات العلوم السياسية في العالم والتي تتبع مباشرة لوزارة الخارجية الروسية الدكتوراه الفخرية في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية للرئيس البرهان، تقديراً لدوره في الحفاظ على الدولة السودانية وصون سيادتها.
وهذه المنحة دلالة على الاعتراف بشرعية الدولة ورمزيتها، في وقت راهنت فيه المليشيا وكفلاؤها على عزل السودان. أن تأتي أعرق جامعات قوة عظمى لتمنح البرهان هذا الوسام، فهو تأكيد قاطع على أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة، وأن البرهان هو الممثل الشرعي لسيادة السودان.
الدكتوراه الفخرية تُمنح للقادة الذين يخوضون معارك وجودية دفاعاً عن أوطانهم. روسيا، التي خبرت الحروب الوجودية، تكرم في البرهان صمود رجلٍ رفض أن تنكسر بلاده أو تُقسّم إلى أربعة أقاليم كما خطط العملاء.
ومنح روسيا الدكتوراه للبرهان هو تتويج لتحول السودان من دائرة الارتباك إلى دائرة التحالفات الصلبة التي تحترم سيادته ولا تملي عليه شروطاً.
*وتجاوزت مشاركة البرهان التكريم الرمزي إلى اتفاقيات استراتيجية قلبت الطاولة على مخطط نهب ثروات السودان وأهم ما تمخضت عنه الزيارة هو منح السودان لروسيا حق التنقيب المشترك عن الذهب والمعادن النفيسة والنادرة.
وهو اتفاق، فضلاً عن كونه وثبة اقتصادية عملاقة، فهو جُنّة للموارد المعدنية، وخاصة الذهب الذي تهربه المليشيا إلى أبوظبي ليُباع بأبخس الأثمان ويُستخدم لتمويل الحرب ضد البلاد. اليوم سيذهب ريعه لخزينة بنك السودان المركزي لا لجيوب آل دقلو.
فضلاً عن أن هذه التفاهمات تفتح الباب أمام الشراكات الصناعية مع روسيا، التي تمتلك تكنولوجيا التنقيب العميق واستخراج المعادن النادرة كاليورانيوم والنحاس والكروم.
ولعل من أبرز المكاسب أيضاً تفعيل اتفاقية القاعدة البحرية الروسية على البحر الأحمر، وتزويد الجيش السوداني بمنظومات دفاع جوي متطورة ومنظومات تشويش ضد المسيرات، في وقت فاقت فيه هجمات المسيرات الـ 189 هجوماً استهدفت البنية التحتية والإنسان.
وروسيا لديها المبادئ والإيمان بحق الشعوب في الحياة الكريمة، وحري بها أن تدعم السودان كما تفعل دوماً في المحافل الدولية والإقليمية وتشد أزره.
ومن المكاسب أيضاً توقيع مذكرات تفاهم لإنشاء محطات كهرباء نووية سلمية صغيرة لحل أزمة الكهرباء التي تستهدفها المسيرات، إضافة لتأمين إمدادات القمح والوقود بأسعار تفضيلية تكسر الحصار الاقتصادي.
توقيع أخير:
أما المشهد الأفخم والأكثر هيبة، فكان حين صدح النشيد الوطني السوداني “نحن جند الله جند الوطن” بلسان روسي فصيح، وبأصوات جوقة روسية رسمية، فوقف كل الحضور احتراماً لعلم السودان.
وموسكو تقول: سيادة السودان خط أحمر، وهويته محروسة بالقوات المسلحة والقوات الرديفة لها، بالمستنفرين بشعب السودان أجمعين.