مقالات

من رتق النسيج الاجتماعي… تبدأ نهضة الوطن د.شذي الشريف مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

من رتق النسيج الاجتماعي… تبدأ نهضة الوطن

د.شذي الشريف

مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

في زمنٍ ارتفعت فيه أصوات البنادق، وتسللت إلى النفوس لغة الكراهية والتخوين، يصبح الحديث عن السلم الاجتماعي ضرورة وطنية تفرضها المرحلة، وواجبًا أخلاقيًا تجاه الأجيال القادمة.

إن إقامة مهرجان السلم الاجتماعي برعاية كريمة من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان،

وإشراف رئيس مجلس الوزراء، وتنظيم المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، تأتي في توقيت بالغ الأهمية، لتؤكد أن معركة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن معركة الدفاع عن الوطن، وأن الانتصار الحقيقي لا يكتمل إلا بإنتصار قيم التسامح والتعايش والوحدة.
لقد اضطلع المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي خلال الفترة الماضية بدور وطني كبير في رأب الصدع بين المكونات الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار، ودعم مبادرات الصلح الأهلي، والعمل على إعادة الثقة بين أبناء الوطن، في وقت كانت فيه الحرب تزرع الانقسام وتغذي خطاب الكراهية والانتقام.
واليوم، ومع تصاعد خطابات التخوين والتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتنامي النزعات التي تهدد وحدة المجتمع، يصبح دور المجلس أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن المجتمعات لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى بالمحبة، والعدالة، وقبول الآخر، والإيمان بأن اختلافنا لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة.
ولعل ما شهدته ولاية سنار بالأمس من مشاهد التصالح والتسامح، فيما عُرف بـ”عرس سنار”، يقدم نموذجًا مشرقًا لقدرة السودانيين على تجاوز الجراح، والعودة إلى قيمهم الأصيلة التي قامت على العفو والتكافل والتراحم. فحين تجتمع القلوب، تصبح كل الأزمات قابلة للحل.
إن إصلاح النسيج الإجتماعي هو نقطة البداية لكل مشروع وطني ناجح. فإذا صلح المجتمع، صلحت معه الزراعة، لأنها تحتاج إلى تعاون واستقرار. وصلحت الصناعة والتجارة والاستثمار، لأنها تحتاج إلى بيئة آمنة وثقة متبادلة. وازدهر الطب والتعليم والهندسة وذلك لأن الإنسان المتصالح مع نفسه ومجتمعه هو القادر على الإنتاج والإبداع والعطاء.
فلا تنمية في مجتمع ممزق، ولا استثمار في بيئة يسودها الخوف، ولا تعليم يثمر في وطن تفرقه الكراهية.
إن المجتمع السوداني اليوم يحتاج الى أن يخرج من رحم الحرب إلى فضاء السلام، وأن يتحول من ثقافة الثأر إلى ثقافة البناء، ومن لغة التخوين إلى لغة الحوار، ومن الإنقسام الى الشراكة الوطنية.
ومن هنا تأتي أهمية مهرجان السلم الاجتماعي، الذي يوجه رسالة واضحة الى الشباب، باعتبارهم عماد الحاضر وصناع المستقبل، بأن مسؤولية بناء الوطن لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها، بل تبدأ من كل شاب يؤمن بقيمة السلام، وكل فتاة تنشر ثقافة التعايش، وكل أسرة تربي أبناءها على قبول الآخر.
السودان لن يبنى بالرصاص وحده، وإنما بالعقول والقلوب. ولن يعود أقوى إلا إذا عاد أبناؤه أكثر تماسكًا، وأكثر إيمانًا بأن الوطن يتسع للجميع.
فليكن مهرجان السلم الاجتماعي بداية لمرحلة جديدة، عنوانها رتق النسيج الاجتماعي، وإحياء قيم التسامح، وبناء مجتمع متعافٍ؛ لأن المجتمع إذا تعافى، تعافى الوطن كله، وإذا التأمت قلوب أبنائه، نهض السودان من جديد أكثر قوةً ووحدةً وأملًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى