منوعات

مدارات للناس هاشم عمر اسمك في لساني… وسبحة خليل

مدارات للناس

هاشم عمر

 

اسمك في لساني… وسبحة خليل

 

في زمنٍ كان أخضر مثل شوارع أم درمان بعد المطر، كنا طلاباً في جامعة أم درمان الأهلية، نحمل أحلاماً خفيفة وقلوباً لا تعرف الهم. كانت الحياة تتهادى أمامنا بلا استعجال، وكأن الزمن نفسه يجلس معنا عند ركن الخالة “جمعية”، حيث اعتدنا أنا وصديقي حسن كوداي أن نحتسي الشاي والقهوة ونراقب حركة الطلاب، وضحكاتهم، ونقاشاتهم التي تبدأ بسيطة وتنتهي عميقة دون أن نشعر. كانت تلك الأيام تشبه أغنية طويلة لا نريد لها أن تنتهي.

 

في إحدى تلك الأمسيات، وصلتنا دعوة لحضور حفل بمنزل الأستاذة بهاء عبد الكريم في الموردة شرق. لم تكن حفلة عادية، بل ليلة من ليالي الفن السوداني التي تُكتب ولا تُنسى. كانت الموردة في ذلك الزمن تحتفظ بوهجها القديم، ببيوتها المفتوحة وروائح القهوة المنبعثة من الأزقة، وبسكانها الذين يعرفون معنى الكرم والفرح.

 

حضر الحفل عمالقة الغناء السوداني: زيدان إبراهيم، عبد القادر سالم، أبو عركي البخيت، القلع عبد الحفيظ… أسماء يكفي ذكرها لتشعر بأنك أمام تاريخ كامل. لكن وسط كل تلك الأسماء اللامعة، كان هناك نجم يضيء بطريقته الخاصة: الراحل خليل إسماعيل.

 

خليل لم يكن مجرد فنان يؤدي أغنية ثم يغادر. كان حالة سودانية خالصة، صوتاً خرج من عمق الوجدان، ولونية لا تشبه أحداً. كان يقف على المسرح بثقة العارف، وبساطة الزاهد، وسبحته ملتفة حول يده اليمنى كأنها جزء من إيقاعه الداخلي، تتحرك معه في انسجام تام، وكأنها تشارك في الغناء.

 

وحين صدح بأغنيته الخالدة:

“اسمك في لساني… يا القلبك نساني”

تحول المكان إلى موجة واحدة من الطرب. تمايل الحضور، وارتفعت الهمهمات، واشتعلت تلك الشرارة التي لا يقدر عليها إلا فنان صادق مع نفسه ومع فنه. كان صوته ينساب مثل ماء النيل، رقراقاً، صافياً، يدخل القلب دون استئذان.

 

كان خليل إسماعيل صديقاً للشاعر الكبير أبو قطاطي، وعملا معاً على أغنيات أصبحت جزءاً من ذاكرة السودان الغنائية. كان يغني وكأنه يفتح نافذة على روحه، لا يساوم، لا يتصنع، ولا يركض خلف الأضواء… ولذلك بقي صوته حتى اليوم حاضراً رغم غيابه.

 

رحل خليل، لكن أثره لم يرحل. بقي في الذاكرة، في الإذاعات، في جلسات السمر، وفي كل مرة يردد فيها أحدهم:

“اسمك في لساني…”

فنحن لا نستدعي الأغنية فقط، بل نستدعي زمناً كاملاً، ووجوهاً، وأياماً كانت الحياة فيها أبسط وأجمل.

 

خليل إسماعيل…

فنان لا يتكرر، لأنه لم يشبه أحداً، ولم يشبهه أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى