رأي وتحليل

صرير القلم : د. معاوية عبيد  نفس الدواء… لكن من شركة ثانية

صرير القلم : د. معاوية عبيد

نفس الدواء… لكن من شركة ثانية

( نفس الدواء لكن من شركة ثانية) … عبارةٌ تبدو للوهلة الأولى ساخرة لكنها في الشارع السوداني تختصر كثيراً من المعاني و الدلالات وتستدعي مشاهد قديمة تعود اليوم في ثوب جديد عند الشعب السوداني ذلك الشعب الذي يأبى الضيم والانكسار والخنوع والذي ظل و عبر تاريخه ينظر إلى الكرامة بوصفها جزءاً من معنى الوطن لا يمكن التنازل عنها مهما كان الثمن .

وهو شعب يحمل في ذاكرته سيرةً عميقة تمتد إلى أمنا هاجر عليها السلام التي ارتبطت قصتها بأرض السودان في الروايات الشعبية والتاريخية وبابنها إسماعيل عليه السلام وبزمزم وبكة تلك القصة التي صارت رمزاً للصبر والسعي والثقة بالله في مواجهة العطش والوحدة والمحنة ، ثم تمضي الذاكرة السودانية إلى التاريخ الحديث حيث تُروى عن محمد علي باشا الجركسي عند حملته الاستقلالية على السودان تلك العبارة الشهيرة : ( جئت طالباً المال والرجال ) و هذة العبارة تلخص صورة السودان في أعين الطامعين : أرضاً واسعة وثروات زراعية وحيوانية ومعدنية وأنهاراً ومياه وموارد جعلت البلاد محط أنظار القوى و الهيمنة الامبرياليه الامريكية اليهودية و اليوم الاماراتية و بعض الجيرانية علي موارد السودان و خيراته .

لكن السودان كان دائماً بلداً مفتوحاً للضيف كريماً مع من جاءه طالباً العيش والأمان لكنه شديد البأس حين يتحول الطامع إلى غازٍ أو حين يُراد لأهله أن يعيشوا منكسرين داخل وطنهم ، ولذلك ظل الشعر السوداني يختصر هذه الروح في صورته البسيطة العميقة:

حتى الطير يجيها جعان

ومن أطراف تقيها شبع

فالسوداني يعطي من خبزه لكنه لا يعطي كرامته

ومن هنا يمكن فهم كثير من المواقف التي شهدتها البلاد في العقود الماضية، فعندما اشتدت الضغوط الأمريكية على السودان وفرضت العقوبات والحظر علي حكومة المشير البشير لم ينظر كثير من السودانيين إلى الأمر باعتباره مجرد خلاف سياسي بين حكومتين بل رأوه في وجدانهم الشعبيي محاولة للنيل من سيادة البلاد وإرادتها .

وفي إحدى تلك اللحظات خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف:

لن نذل ولن نهان

ولن نطيع الأمريكان

و لن نساوم في السودان

كانت تلك الهتافات تعبيراً صادقاً عن مزاج شعبي يرى أن السيادة الوطنية لا ينبغي أن تكون ورقة في يد الخارج .

واليوم يبدو المشهد وكأنه يعيد نفسه ولكن بصورة مختلفة .

نفس الدواء… لكن من شركة ثانية .

فمع التطورات الأخيرة المتعلقة بالتأشيرات الأمريكية للقيادة السودانية عاد سؤال الكرامة والسيادة إلى واجهة المشهد السوداني و وجد الناس أنفسهم أمام صورة قديمة بملامح جديدة ، وفي استاد الخرطوم حمل مشهد تجمع الشباب و ظهور قائدهم المفدى دون ترتيب برتكولي دلالات تتجاوز المناسبة نفسها، جماهير تهتف وشباب يرفعون أصواتهم ورسالة واضحة مفادها أن السودان مهما اشتدت عليه الأزمات لا يريد أن يُعامل بوصفه بلداً تابعاً ينتظر الإذن من الآخرين ليقرر مصيره .

وهناك من أعلى المدرجات جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان مؤكداً على الصمود وعدم التفريط في السودان

وبلغة الشارع السوداني يمكن اختصار المشهد كله في عبارة واحدة : يصرف البركاوي

والبركاوي هنا استعارة سودانية للموقف الصلب وللرد الذي لا يأتي بالصراخ وحده وإنما بالإرادة والثبات .

لكن ثمة حقيقة أكبر ينبغي ألا تضيع وسط الحماس ،

السودان لا يحتاج فقط إلى أن يرفض الإهانة بل يحتاج إلى أن يبني القوة التي تجعل الآخرين يحسبون حسابه فالعالم لا يحترم الشعارات وحدها وإنما يحترم الدول التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصاداً منتجاً وجيشاً وطنياً ودبلوماسية فاعلة وشعباً متماسكاً وقراراً مستقلاً .

الدولة التي تعرف قيمة مواردها وتعرف كيف تدير علاقاتها وتضع مصلحة شعبها فوق الحسابات العابرة تستطيع أن تقول (نعم) حين تكون ( نعم) في مصلحتها وأن تقول (لا) حين تصبح (لا) ضرورة وطنية . والسودانيون الذين خبروا الحرب والنزوح والفقد و وقفوا في وجه العواصف يعرفون أن الوطن ليس اسماً على خارطة العالم ، الوطن أمٌّ و أب و أخ و اخت و زوجة وبنت و ابن و أسرة و نيلٌ ومدنٌ و قرى وبيوتٌ تركها أهلها قسراً وحقولٌ تنتظر من يعيد إليها الحياة وأطفالٌ يريدون مدرسة ومرضى يريدون دواء، وشباب يريدون مستقبلاً لا تأشيرةً للخروج من وطنهم ، لذلك فإن أقوى (بركاوي) يمكن أن يصرفه السودان للعالم ليس الغضب وحده وإنما أن ينهض ،

أن يعمر ما دمرته الحرب ،أن يستعيد إنتاجه ،أن يحفظ موارده،أن يعيد بناء مؤسساته،

أن يجعل الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والمياه والإنسان السوداني أدواتٍ لبناء الدولة لا أسباباً للصراع عليها .

عندها فقط يصبح السودان قادراً على أن يقول للعالم بهدوء الواثق لا بصوت الغاضب:

لسنا ضد أحد… لكننا لسنا تابعين لأحد

إنها ليست حكاية دواء جديد.

إنها العبارة الشعبية نفسها :

نفس الدواء… لكن من شركة ثانية

وشعب السودان الذي ظل مصنعه التاريخي ينتج أجيالاً تأبى الضيم ما زال قادراً على إنتاج جيل جديد يعرف كيف يحفظ كرامته وكيف يحول الكرامة من هتاف في المدرجات إلى قوة في الأرض وبناء في المؤسسات واستقلال في القرار ، فالسودان لا يريد أن ينحني .

السودان يريد أن يقف من جديد ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى