صرير القلم : د. معاوية عبيد الزكاة.. حكايات تُروى

صرير القلم : د. معاوية عبيد
الزكاة.. حكايات تُروى
كنتُ في جولة إعلامية علي الولايات قبل سنوات أبحث عن حكايات الزكاة في الريف عن ذلك الأثر الذي أحدثه ديوان الزكاة و الذي ظل عالقاً في ذاكرة الناس ووجوههم وحقولهم وبيوتهم
هناك في ذلك الريف البعيد استوقفني رجل من أهلنا تحدث عن الزكاة ببساطة أهل السودان وبذلك الفهم الفطري العميق الذي لا يحتاج إلى كثير شرح قال لي : ( نحن هنا في الديار دي بتجينا صَبَنَة قوية شديد مرات، والصبنة لمن لا يعرف مفردات الريف هي صيف قارس لا ماء فيه ولا ظل ولا عشب حين تصبح الأرض شديدة القسوة وتصبح قطرة المطر خبراً يساوي الحياة نفسها .
ثم اردف قائلا : ( ونحن في الصبنة دي لمن نشوف العربية البويضة ماشّة علينا في الخلا بنستبشر خير ) ،استغربت !! أي سيارة يقصد؟
فأكمل الرجل وكأنه يشرح أمراً بديهياً : العربية البويضة دي يا وليد عربية ناس الزكاة ديل.. بنستبشر بيهم خير بيشيلوا مننا الزكاة وبيدهوا الفقراء ونحنا بتجينا بركتها بالمطيرة دي.. وزرعنا بينجح والبهايم بتشبع ) … وانتهت الحكاية .
بهذه البساطة كان يفهم الرجل الزكاة ،
لم يكن يتحدث عن النسب والأنصبة واللوائح والإجراءات ولم يكن معنياً بتفاصيل الدورة المستندية ولا بمصطلحات العمل المؤسسي كان يرى الزكاة في صورة سيارة بيضاء تشق طريقها في الفيافي يأخذ رجالها من القادرين حق الله ويوصلونه إلى الفقراء ثم يرى في ذلك كله بركة تمتد إلى الأرض والزرع والماشية والناس ،
كانت ( العربية البويضة) عنده وعداً و بشارة خير و شيئاً يشبه المطر ، ولعل هذه الحكاية القديمة تلخص في عمقها حكاية أخرى أكبر عاشها السودان خلال سنوات الحرب ، فحين اندلعت الحرب لم تكن المعركة على المدن وحدها ولم تكن الخسارة في المباني والأسواق والمصانع والمؤسسات فحسب ، كانت الحرب تضرب حياة الناس نفسها وتدفع بملايين السودانيين إلى دائرة الفقر والاحتياج والنزوح ، كان يمكن لمؤسسة مثل ديوان الزكاة أن تتراجع أمام هذا المشهد الهائل
لكن الذي حدث كان مختلفاً ،لم تتوقف ( العربية البويضة).
وهنا تبدأ حكاية أخرى …حكاية مؤسسة لم يكن مطلوباً منها فقط أن تجمع الزكاة وإنما أن تحافظ على معنى الزكاة في زمن انكسرت فيه أشياء كثيرة .
في المنتدى الإعلامي الذي نظمته أمانة زكاة الشركات الاتحادية بالتعاون مع صحيفة أول النهار و منتدى اندياح تحت عنوان : ( الزكاة في زمن الحرب.. تجربة تُروى ) لم تكن الحكاية مؤتمراً صحفياً ، كانت محاولة لفتح دفاتر الذاكرة حيث جلس قيادات من ديوان الزكاة وممثلون للشركات ودافعي الزكاة وإعلاميون بقاعة فندق السلام روتانا ليستعيدوا معاً فصولاً من تلك التجربة التي لم تُكتب بعد كاملة ، ومن بين أكثر الفصول إثارة في هذه الحكاية بدأت سرده لبني مدني أمين زكاة الشركات الاتحادية قائلة : حين غادر العاملون الخرطوم بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب كانت مغامرة قاسية جدا و تجربة مريرة غادرنا فيها الديار و الاسي يعتصر القلوب لكن إرادة الله ، حيث انتقلت الأمانة إلى ولاية الجزيرة ومنها الي ولاية كسلا وبدأت من هناك محاولة إعادة بناء ما تهدم حيث فتحنا منافذ لزكاة الشركات في الولايات الآمنة و أصبح العاملون المنتشرون في الولايات ذاكرة مؤسسية بديلة و الهواتف أصبحت سجلات والعلاقات أصبحت جسوراً والإصرار أصبح نظاماً للعمل ،
وهذا ما كشفه عادل محمد علي مدير جباية زكاة الشركات الاتحادية حين تحدث عن واحدة من أصعب المشكلات التي واجهتهم : إن الحرب صنعت تحولاً لافتاً في علاقة الديوان بالمكلفين في السابق كان موظف الزكاة يذهب إلى الشركة مرات عدة ، أما في الحرب فقد أصبحت بعض الشركات تأتي إلى الديوان بنفسها تبحث عن ملفها تسأل عن التزاماتها وتريد أن تؤدي الزكاة وهنا تتجلى مفارقة جميلة : في الوقت الذي كانت فيه الدولة تتراجع مواردها وكانت الشركات تفقد أصولها وكان الفقر يتمدد بقي الإيمان بالزكاة حاضراً وكأن الحرب بكل قسوتها أعادت بعض الأشياء إلى أصلها الأول : الزكاة ليست ضريبة وليست مجرد التزام مالي ، إنها علاقة بين الإنسان وربه وبين الغني والفقير وبين الفرد والمجتمع.
ولعل أجمل ما قيل في المنتدى جاء على لسان ممثل شركة أواب للخدمات الأمنية صلاح يوسف المبارك حين أكد أن الشركة لا تنظر إلى الزكاة باعتبارها رسماً حكومياً أو خصماً مالياً ،إنها عبادة وحق للفقراء في أموال الاغنياء يتم ايصالها عبر ديوان الزكاة ذلك الفهم هو الذي جعل الشركة بعد انتقالها إلى الولايات الآمنة تفتح ملفها الزكوي هناك وتواصل الدفع ثم تنقل ملفها بعد استقرار الأوضاع إلى ولاية الخرطوم، وذلك لايمانه التام بما يقوم به ديوان الزكاة من دور عظيم تجاه الفقراء و خاصة في زمن الحرب .
الشركة السودانية للأسواق الحرة تحدث ممثلها عمر حسن بحر عن خسائر كبيرة لحقت بممتلكات الشركة وتوقف معظم نشاطها ثم عودتها للعمل تدريجياً وبأقل عدد من العاملين والإمكانات ومع ذلك ظل ملف الزكاة حاضراً ، قبل الحرب كانت الشركة تؤدي التزاماتها الزكوية وبعد الحرب أكدت استعدادها لمواصلة الوفاء بها وفقاً لقدرتها وأوضاعها الجديدة
أما ممثل بنك الخرطوم رؤى إبراهيم محمد نور الدين لم تتحدث عن الزكاة بوصفها رقماً في ميزانية البنك وإنما قدمت (شهادة حق) للعاملين في أمانة زكاة الشركات الاتحادية ،كما قالت لم يتركوا المكلف في محنته ، كان يمكن أن تكون الحرب سبباً لانقطاع العلاقة
لكنها، في بعض الحالات جعلت العلاقة أكثر إنسانية و موظف الزكاة لم يعد مجرد محصل يأتي ليطالب باستحقاق بل أصبح شريكاً يحاول أن يفهم ظروف الشركة أو المؤسسة ويبحث معها عن الطريق الممكن لدفع زكاتهم .
لكن حكاية الزكاة في الحرب لا تكتمل بالحديث عن الجباية . فالمال الذي جُمع لم يبق في الخزائن خرج إلى حيث الألم إلى الجرحى والمستشفيات إلى مراكز الإيواء إلى النازحين إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها إلى مبادرات العائدين إلى ديارهم و التي بدأت من الولايات الآمنة و من مصر وأوغندا والاستعداد للعودة من دول أخرى إلى الولايات التي تحررت، وهنا تحولت الزكاة من مورد شرعي إلى شبكة أمان اجتماعي هذا ما صرح به الامين العام لديوان الزكاة د. يحيى أحمد عبد الله القمراوي .
لم تعد (العربية البويضة) تحمل الزكاة من قرية إلى قرية فحسب،بل أصبحت تحمل معها شيئاً من معنى الدولة حين تغيب الدولة وشيئاً من معنى التكافل حين تتسع دائرة الحاجة ، ولم يكن الإعلام بعيداً عن هذه الحكاية،كانت الكاميرا و الاقلام تمشي في الطرق ذاتها وترى المشاهد ذاتها وتدخل إلى المعسكرات والمستشفيات والمشروعات وتحاول أن تقول للناس إن هناك مؤسسات ما زالت تعمل ولهذا كان وجود الإعلاميين في المنتدى مهماً، لا لأنهم جاءوا ليستمعوا إلى إنجازات الديوان فقط وإنما لأنهم كانوا جزءاً من التجربة نفسها ،كانت الإعلامية بلالة البشارية واحدة من الذين حملوا تلك الشهادة، تحدثت عن تجربة شخصية مع أمانة زكاة الشركات وعن موظفين لم تتغير علاقتهم بالمكلفين رغم ظروف الحرب وعن تعاون لم يكن كما قالت مجرد كلام للإعلام وإنما تجربة عاشتها بنفسها ثم ختمت رسالتها بمعنى يتجاوز المنتدى : ( قدر ما نمشي قدام مع بعض .. البلد حتتعافى و طالما هنالك زكاة تدفع لا نخاف علي الفقراء .
أما الهندي عز الدين رئيس تحرير صحيفة المجهر السياسي فقد دخل إلى الحكاية من باب آخر من مشهد يومي شاهده في الطريق رجل عسكري جريح برفقة عسكري آخر يتحدث عن ابنته التي حصلت على نسبة جيدة في امتحانات الشهادة وتحلم بالالتحاق بكلية الشرطة لكن الأسرة لا تملك قيمة الرسوم،حرب جعلت الإنسان عاجزاً عن دفع رسوم الدراسة في الوقت الذي أصبح فيه الفقر أوسع من قدرة المؤسسات التقليدية على مواجهته ولهذا دعا الهندي إلى توسيع قاعدة الزكاة والوصول إلى الموارد التي يمكن أن تسهم في معالجة الفقر مع التأكيد على الإدارة الرشيدة والشفافية وحسن التنفيذ وألا تصبح الحرب شماعة تُعلّق عليها كل الاختلالات وثمن الهندي دور الزكاة الذي كان شاهداً علي فصوله و لعل أعظمها دعم الجرحى و العودة إلي ديار تصدعت باصوات الرصاص .
و هنا اثني الأمين العام لديوان الزكاة علي الإعلام و الاعلاميين حيث قال: إن الشراكة مع الإعلام واحدة من أهم أسباب نجاح المؤسسات مؤكداً أن الديوان جعل من الشراكات عنواناً لمرحلة جديدة من العمل ، لكن الأهم في حديثه كان تلك الإشارة إلى أن المنتدى لم يكن مجرد مناسبة إعلامية وإنما مساحة للحديث الصريح عن تجربة الديوان وصموده خلال الحرب مبينا أن نحو (٣٢٢٧) موظفاً و موظفة وعاملاً كانوا جزءاً من هذه الحكاية .
ولعل الفصل الأكثر إنسانية في هذه الحكاية هو فصل العاملين أنفسهم ، الموظف الذي ترك منزله والذي فقد ملفه
والذي انتقل من ولاية إلى ولاية والذي حمل هاتفه كأنه يحمل أرشيف مؤسسة
والذي ظل يبحث عن مكلف أو مستحق أو معلومة هؤلاء هم (العربية البويضة )،
وإذا كان ديوان الزكاة قد صمد، فذلك لأن وراءه رجالاً ونساءً آمنوا بأن توقف الشعيرة في زمن الحرب يعني أن يتوقف خيط من خيوط التكافل في المجتمع.
إن تجربة الزكاة في زمن الحرب هي قصة شركات فقدت أصولها لكنها لم تفقد إحساسها بالواجب وقصة مؤسسة فقدت مقارها وملفاتها لكنها لم تفقد بوصلتها وقصة شعب أنهكته الحرب لكنه لم يفقد إيمانه بأن بعد العسر يسراً وأن في المال حقاً معلوماً وأن التكافل يمكن أن يكون أحد الجسور التي تعبر عليها البلاد من زمن الحرب إلى زمن التعافي و قصة اعلاميين و شاهد علي ارض الواقع حين تهدأ الحرب وتعود القرى إلى دفء أيامها و يبصر ( العربية البويضاء ) في ريف كردفان أو على ضفة النيل ويحكي لأبنائه عن تلك السنوات الصعبة ثم يقول لهم: كانت الدنيا صعبة شديد.. لكننا كنا لمن نشوف العربية البويضة جاية من بعيد بنستبشر خير . وحينها ربما لن يحتاج إلى أن يشرح لهم معنى الزكاة
فالحكايات أحياناً تفعل ما لا تفعله الكتب.