رأي وتحليل

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة  ذكـرى تُثقِلها المآسي… وخطاب بلا رمزية

زاوية خاصة

 

نايلة علي محمد الخليفة

 

ذكـرى تُثقِلها المآسي… وخطاب بلا رمزية

 

يُحكى أن رجلًا عربيدًا سكّيرًا ، اعتاد اقتراف المحرّمات بلا حياء ، حتى ضاق به أهله ذرعًا ، وتبرأ منه والده على مرأى من الناس ، فهجر قريته إلى أخرى ، هناك لبس ثوب المثقف والمرشد ، وخدع الناس بمظهره وحديثه ، حتى قدّموه يومًا ليخاطب حشدًا بحضور مسؤول كبير ، لكن ما إن وقعت عيناه على ذلك المسؤول ، وكان من قريته الأولى ويعرف ماضيه حتى ارتبك ، فادّعى حاجته إلى دورة المياه ، ثم اختفى كأن الأرض ابتلعته ، تاركًا الحاضرين في دهشة وتساؤل.

 

هذه الحكاية تُجسّد أزمة الادعاء حين يُواجه بالحقيقة ، وتكشف كيف ينهار الخطاب حين يفقد سنده الأخلاقي ، أو حين يُنتزع من سياقه الطبيعي ، وهي ذات المفارقة التي نستحضرها اليوم عند استدعاء ذكرى ما عُرف بثورة ديسمبر ، بخطابٍ لا يُحسن قراءة الواقع ، ولا يختار رمزيته بعناية.

 

لم تعد ذكرى ما عُرف بثورة ديسمبر تُستدعى في الوجدان السوداني بوصفها لحظة مجد ، بل كعنوانٍ لسلسلةٍ ممتدة من المآسي التي قادت البلاد إلى حافة الانهيار ، فبدل أن تكون مدخلًا للاستقرار ، تحوّلت إلى بوابةٍ للفوضى ، فتحت الطريق أمام الحروب ، والنزوح واللجوء ، وتمزيق النسيج الاجتماعي ، هذه الذكرى لم تُمحَ من الذاكرة لتبِعاتها المُرة ، لكنها سقطت من مقام الاحتفاء إلى خانة الألم الثقيل ، لذلك لم يكن مستغربًا أن تمر باهتة ، لا يستدعيها إلا القلة على استحياء ، أو حين تُفرض عليهم عبر خطاب رسمي ، كخطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان من أمام القيادة العامة ،

غير أن الإشكال لم يكن في التذكير بالذكرى بقدر ما كان في كيفية تقديمها ، فالموقع الذي اختير لإلقاء الخطاب جاء خاليًا من الدلالات التي تلامس وجدان الناس في هذه المرحلة الحرجة ، كان يمكن بل كان ينبغي ، أن يقف البرهان في مكان آخر ، حيث المعنى أصدق والرسالة أبلغ عند مقابر شهداء القيادة العامة في معركة الكرامة ، أو مقابر شهداء سلاح المهندسين بأمدرمان ، أو شهداء سركاب ، اوشهداء الإشارة وسلاح المدرعات هناك ، حيث سُطّرت التضحيات بدماء جنود القوات المسلحة والقوات المساندة من جهاز الأمن والشرطة ، كان يمكن للخطاب أن يستمد قوته من الأرض نفسها ، من صمت القبور الذي يتحدث أكثر من أي كلمات ، أولئك الشهداء لم يكونوا مجرد أرقام في بيانات عسكرية ، بل كانوا عنوانًا لمعركة وجود ، فلولاهم ماكان البرهان ليقف وقفته ، كانوا درسًا سيخلده التاريخ في معاني الفداء والانتماء.

 

إن غياب هذه الرمزية في خطاب البرهان يُعد سقطةً بروتوكولية يُلام عليها مستشاروه ، فالمعركة الحالية التي يخوضها الشعب السوداني ضد المليشيا ما كانت لتكون لولا الإفرازات السالبة لما سُمّي بثورة ديسمبر ، والوفاء لهؤلاء الشهداء يقتضي تثبيت المعاني التي استشهدوا من أجلها ، لا الاكتفاء باستدعاء ذكرى مثقلة بالمرارات في مواقع لا تحمل ذات الثقل الرمزي ، فديسمبر والقوى التي تتعاطى معها ، باتت تُستدعى على استحياء ، إذ أصبحت هذه القوى ، في نظر قطاعات واسعة من الشعب ، محل رفض واستهجان ، بعد أن باركت انتهاكات المليشيا وغضّت الطرف عن محازرها بحق الشعب ، هذا الموقف عمّق الفجوة بين الخطاب والواقع ، وطرح تساؤلات مشروعة حول المواقف الأخلاقية من معاناة السودانيين ، فالصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ حيادًا، بل يُفسَّر لدى كثيرين ، كشراكة غير معلنة.

وبين هذا وذاك يبقى المشهد السوداني محمّلًا بجراح تلك الذكرى التي يُراد لها أن تُستدعى ، لكنها ترتبط في أذهان كثيرين بالألم ، مقابل واقعٍ جديد تُكتب فصوله معركة الكرامة بدماء الشهداء الذين قدّموا نموذجًا مختلفًا في التضحية ، لذلك فإن أي محاولة لإحياء هذه الذكرى بمعزل عن سياقها الحالي ، ودون استحضار التضحيات التي تُقدَّم اليوم ، تبدو محاولة منقوصة ، تفتقر إلى الصدق والاتساق ، فالتاريخ لا يُكتب بالخطابات السياسية ، بل بالمواقف الشجاعة ، ولا تُخلّد ذكرياته إلا حين ترتبط بما يعيشه الناس من حقائق.

 

في سودان اليوم والمستقبل ، الحقيقة الأبرز ليست في ذكرى مضت ، بل في دماء سالت وما تزال ، وفي شهداء صنعوا معنى مختلفًا للكرامة في معركة الكرامة… معنى لا يحتمل الخطأ في قراءته ولا التهاون في رمزيته… لنا عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى