مقالات

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة  الطلمبة مليانة… والطوابير من عمل الشيطان؟

زاوية خاصة

 

نايلة علي محمد الخليفة

 

الطلمبة مليانة… والطوابير من عمل الشيطان؟

 

لا أدري هل نحن أمام كرامة من كرامات رئيس الوزراء كامل إدريس ، أم أن الطلمبة قررت فجأة أن تمتلئ بالوقود لحظة وصوله ، أم ملئت بفعل فاعل ، ام أن طوابير العربات الممتدة حول محطات الوقود في الخرطوم ليست سوى مشهد من الخيال الجماعي الذي أصاب السودانيين جميعا ،

خلال تفقده إحدى محطات الوقود بالخرطوم ، هتف رئيس الوزراء كامل إدريس إن المحطة «مليانة بنزين» وإنه «لا توجد أزمة وقود».

جملة قصيرة ، تحتاج وقفة أطول من طابور عربة ينتظر دوره في محطة وقود ، فالسؤال هنا ليس عن محطة واحدة ، ولا عن ما إذا كانت إحدى الطلمبات في لحظة الزيارة تحتوي على الوقود أم لا ، ولا عمن الذي ضلل كامل ادريس ، وملأ الطلمبة بالوقود ليظهره بالشكل الدرامي الذي ظهر به ، السؤال عن الصورة الأوسع التي يراها المواطن كل يوم ، سيارات مصطفة ، انتظار طويل ، مَقيل ومبيت ، وقلق متزايد للحصول على الوقود ، حين يقول المسؤول الاول في رئاسة الوزراء إن الوقود متوفر ، بينما يرى المواطن أمامه مشهدا مختلفا ، فإن المشكلة لا تعود في البنزين وحده ، بل في المسافة بين ما تقوله الحكومة وما يعيشه المواطن ، والأكثر إثارة أن رئيس الوزراء لم يكن وحده في تلك الجولة ، بل كان يرافقه وزير الطاقة ووالي الخرطوم المكلومة ، وهنا يبرز سؤال لا يحتاج إلى كثير من الوقود ليشتعل ، هل كانت الصورة التي شاهدها رئيس الوزراء هي الصورة الحقيقية لأزمة الوقود في الخرطوم ، أم صورة محطة بعينها في لحظة بعينها ، لا أقول إن الرجل خُدع ، ولا أملك دليلا على أن أحدا ضلله ، لكن المسؤول الأول في الحكومة لا ينبغي أن يكتفي بما يقال له في جولة مرسومة المسار ، عليه أن يرى بعينيه ما يراه المواطن ، وأن يسأل عن الطوابير قبل أن يسأل عن امتلاء الخزانات.

 

فإذا كانت الطلمبات ممتلئة بالفعل ولا توجد أزمة وقود ، فمن أين جاءت تلك الطوابير؟ ولماذا يقف مئات المواطنين بالساعات أمام المحطات؟ وهل المواطن يعشق الوقوف تحت اشعة شمسها الحراقة ، وهل المشكلة في توفر الوقود أم في توزيعه أم في وصوله إلى المحطات أم في آليات الرقابة؟ ، السياسة ليست أن ترى نصف الكأس وتعلن أن الكأس ممتلئ.

والحكومة يجب ان لا تطلق احكامها بما تجده في محطة جرى تفقدها ، وإنما بقدرتها على جعل المواطن العادي يجد الوقود عندما يحتاج إليه ، دون أن يقضي كل يومه في طابور وقود.

 

كان يمكن لرئيس الوزراء أن يحوّل الزيارة إلى فرصة لمعرفة الحقيقة كاملة محطة ممتلئة أمامه ، ومحطات أخرى مكتظة ، ومواطنون ينتظرون تلفحهم أشعة الشمس ، عندها فقط يصبح السؤال أكثر أهمية من التصريح ، أين تكمن الأزمة؟ ، أما أن نطلب من المواطن أن يصدق أن «مفيش أزمة» ، بينما هو جالس خلف مقود سيارته منذ ساعات ، فهذه ليست معالجة للأزمة ، بل محاولة لإعادة تعريفها ، ربما تكون الطلمبة التي زارها رئيس الوزراء مليئة فعلا .

لكن السودان ليس طلمبة واحدة ، والمواطن ليس رقما في تقرير وزير الطاقة او والي الولاية .

والطوابير لا يمكن أن تختفي بمجرد أن نقول إنها غير موجودة ، فإن كانت أزمة الوقود قد انتهت ، فليعرف المواطن ذلك من محطة الوقود ، لا من الميكروفون والحناجر التي تهتف للكسب السياسي ، وإن لم تنته ، فالأفضل للحكومة أن تواجه الحقيقة كما هي ، لأن الاعتراف بالأزمة لا يصنعها ، وإنما تجاهلها هو الذي يجعلها أكبر..ياحكومة احترمي عقولنا… لنا عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى