رمضان محجوب … يكتب: إنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة 37) رحلة الانعتاق..!!

رمضان محجوب … يكتب:
إنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة 37)
رحلة الانعتاق..!!
■ بعد الحادثة القاسية والظروف العصيبة التي مررت بها شخصياً في قرية “طيبة” ــ وهي قصة الفدية المالية المعلومة التي ذكرها أحد الزملاء وسرت في وسائط التواصل الاجتماعي بكثافة لافتة ــ حسمنا أمرنا نهائياً داخل الأسرة الكبيرة، وقررنا المغادرة الفورية، أنا وأسرتي الصغيرة، من هذا الجحيم المستعر الذي فرضته هذه المليشيا الغاشمة، بعد أن تبدلت تفاصيل الحياة اليومية في ربوع الجزيرة الخيرة إلى حالة من الترقب المستمر والخوف الرهيب الذي أصبح يلاحق الجميع في أدق تفاصيلهم ويقض مضاجعهم بلا رحمة.
■ كان الهاجس الأكبر والشغل الشاغل لنا في تلك الساعات العصيبة والدقائق الحرجة، هو كيفية تأمين خروج ابني “عبد الخالق”، وهو شاب لا يحمل في الوقت الحالي أي أوراق ثبوتية رسمية أو رقماً وطنياً ينجيه من خطر التوقيف والاعتقال العشوائي في نقاط التفتيش المنتشرة. ظل هذا الهم الثقيل يضغط على أعصابنا بقوة حتى تيسرت الأمور عبر الأهل في مدينة “منقلا”، حيث تم إرسال صورة من الرقم الوطني عبر الهاتف، لتبدأ أولى خطوات الفكاك من هذا الحصار المطبق الذي عشناه.
■ على إثر ذلك التطور الإيجابي، بدأنا نتقصى باهتمام شديد كل أخبار السفر والتحرك اليومي من مدينة ود مدني باتجاه ولاية القضارف في شرق البلاد. وفي ذلك الوقت العصيب، كانت حركة السفر العامة قد تراجعت تماماً وقلت الحافلات ووسائل النقل بشكل كبير لندرة النازحين من المنطقة؛ فكانت الحافلات تخرج من “طيبة” بمعدل رحلة واحدة فقط كل يومين أو ثلاثة أيام، وهو أمر فرض علينا انتظاراً ثقيلاً تضاعفت معه مخاوفنا من إمكانية إغلاق الطريق القومي في أي لحظة.
■ في ظل هذا الوضع المقيد للحريات والأنفاس، برز بقوة اسم الشخصية الفاضلة “محمد ود بوش”، وهو متعهد باصات وسفريات معروف، ضرب بمواقفه الإنسانية أروع أمثلة الشهامة والكرم المعهود في أوقات الشدائد؛ إذ كان يتعامل مع جميع الركاب بمعاملة راقية، ويقدم الفزعة والمساندة الصادقة لكل العائلات دون التفكير في تحقيق أي مكاسب مادية شخصية، مما جعل الأهالي يثقون في رجولته ويعتمدون عليه كلياً في تأمين خروج عائلاتهم من قلب المخاطر.
■ بناءً على سمعته الطيبة، حجزنا مقاعدنا معه في الحافلة وأصبحنا نترقب ساعة الانطلاق بحذر شديد وخوف مكتوم. وتحدد الموعد بدقة بين الثالث والسادس من شهر أغسطس من العام ألفين وأربعة وعشرين، وكان هذا التاريخ يمثل لنا وللجميع فرصة وحيدة وثمينة للعبور السريع نحو منطقة آمنة نأمن فيها على أنفسنا وأولادنا من استبداد الأوباش وتصرفاتهم الهمجية الطائشة التي لا يمكن التنبؤ بها في مثل هذه الظروف الأمنية المعقدة.
■ بالتزامن مع هذه الترتيبات، كنا نضع في حساباتنا كل الارتكازات المخيفة والقصص الصادمة التي كان يرويها القادمون من هناك؛ حيث كان ينتظرنا في الطريق القومي قرابة الثلاثين ارتكازاً عسكرياً من مدني وحتى آخر نقطة حدودية للخروج من ولاية الجزيرة. كنا نعلم يقيناً أننا سنواجه العنف اللفظي، والتعنت المتعمد، والغلظة في التعامل من قبل مسلحي الجنجويد الذين يبرعون يومياً في إرهاب المسافرين بأساليبهم الفظة المخالفة للإنسانية.
■ لتفادي بطشهم العشوائي وتجنب عقباتهم، رتبنا لتفاصيل الرحلة منذ ساعات الليل المتأخرة، وحرصنا حرصاً شديداً على أن يكون الأمر كله في سريّة تامة، وضيقنا دائرة العلم بالخروج حتى لا يتسرب الخبر إلى الوشاة والعيون المتربصة. وبالفعل، تفاجأ الكثير من أهل وجيران “طيبة” الأوفياء بخبر مغادرتنا بعد أن تجاوزنا حدود المنطقة بمسافات بعيدة، لأن التكتم كان وسيلتنا الناجحة لحماية النساء والأطفال من جبروت أفراد تلك المليشيا المستبدة.
■ في تمام الساعة الثالثة فجراً من ذاك اليوم المشهود، جاء موعد التجمع المحدد لركوب الباص، حيث صلينا الفجر جماعة في فناء الميدان الفسيح الواقع أمام قصر الشيخ، وكانت القلوب تبتهل بالدعاء الصادق في تلك العتمة بأن يكتب الله لنا السلامة والستر في هذا الطريق المحفوف بالمهالك، بينما كانت الحافلة تقف في وسط الميدان تستعد بكامل ركابها وأمتعتهم للتحرك الفعلي والعبور الصعب نحو المجهول بقلوب واجفة ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره.
■ لم تكد الحافلة تتحرك بضع خطوات حتى واجهتنا أولى العثرات الكبيرة عند نقطة تفتيش المليشيا الأولى الرابضة في “طيبة” بقيادة المدعو “آدم”، حيث طلبوا منا بصلف شديد إبراز ما أسموه “الموافقة الأمنية” للسماح لنا بالمرور. ووجدنا في هذه المحطة تعنتاً كبيراً وجفاءً غليظاً كادت بسببه أن تتعطل الرحلة، لولا التدخل السريع من بعض الأفاضل والأعيان الكرام الذين تفاوضوا بصبر مع هذا القائد لساعات طوال حتى سمح لنا أخيراً بالعبور.
■ بعد تجاوز هذه العقبة، وصلنا إلى نقطة التفتيش الدقيق والمذل القائمة أمام كوبري “طيبة” المؤدي إلى منطقة “كركوج” ومنها إلى حاضرة الولاية مدني، حيث تمددت ساعات الانتظار المريرة لأكثر من ثلاث ساعات كاملة. وأحاط أفراد المليشيا المدججون بالسلاح بالباص الذي كان يحمل على متنه حوالي خمسين راكباً، وبدأوا في فحص وتفتيش كل شيء بدقة متناهية دون أي مراعاة لظروف المسافرين المنهكين والمرضى والنساء اللائي تعبن من عناء الانتظار.
■ خلال هذه الوقفة الطويلة تحت هجير المعاناة، طرح المسلحون أسئلة استفزازية ومكررة على جميع الركاب دون استثناء، وشمل ذلك التفتيش الشخصي المهين وتفتيش الحقائب وفحص الهواتف والتدقيق في محتوياتها؛ مما دفعنا مسبقاً إلى مسح كل مستنداتنا وسيرتنا وتخزينها في الذاكرة الشخصية والعقل فقط خوفاً من بطشهم، حيث كانوا يدققون في الهويات وسط حالة من الترهيب النفسي والوعيد المباشر المسلط على رقاب المستضعفين.
■ تحرك الباص يتهادى أخيراً صوب وجهته من “طيبة الشيخ عبد الباقي” في تمام الساعة السابعة صباحاً بعد هذا التفتيش القاسي الذي خضع فيه الكل بلا تمييز للأسئلة المذلة حول دواعي مغادرة المنطقة. وكانت أغلب إجابات الركاب المنهكين تتمحور حول السفر الاضطراري بغرض الاستشفاء والعلاج، أو الالتحاق بمقاعد الجامعات في الولايات الآمنة التي لم تطلها نيران هذه الحرب المدمرة.
■ عند الوصول إلى قرية “كركوج” بعد السير بذات الطريق الترابي، تجدد فصل آخر من فصول الإهانة والأسئلة ذات الطابع الـ “همباتي” الصريح؛ وكعادتهم، لم يسمح للباص بالحركة إلا بعد إخراج ودفع ما يسمونه “رسوم الطريق”، وهي جباية مالية مفروضة بقوة السلاح تتفاوت عندهم بين خمسين ومائة ألف جنيه، وبعد الدفع الإجباري سمحوا لنا بمواصلة السير مجدداً وسط غصة في الحلق.
■ من منطقة كركوج تحركنا مباشرة إلى ارتكاز آخر رابض في مستودع “البرسي”، وكان هذا الارتكاز خفيفاً نوعاً ما مقارنة بالنقاط السابقة، لكن القاعدة العامة لديهم والمنهج المتبع ظلا ثابتين؛ فالدفع المالي الفوري هو السيد المطاع والمفتاح السحري الوحيد الذي يسهل لك العبور، ويمتص غلظة هؤلاء المسلحين الذين نهبوا أموال المواطنين وعطلوا حريتهم في كل أنحاء وقرى ولاية الجزيرة المعطاءة دون مراعاة لأي قيم أو أعراف.
■ بعد ارتكاز البرسي، وصلنا سريعاً إلى النقطة الأعنف على شارع “مدني فداسي” بالقرب من مصنع الزجاج في الطريق الرئيسي المؤدي إلى منطقة عترة، ليلفت انتباهي ويشحن نفسي بالدهشة أن هذا الموقع بالكامل تحت سيطرة مسلحين يتبعون لمليشيا الدعم السريع من دولة الجنوب يتحدثون بلهجة قبيلة جنوبية، وبينهم صبي صغير يتولى فحص الهواتف؛ حيث اشتبهوا في ابني عبد الخالق وتوقفت الرحلة في لحظة عصيبة للغاية، لكن “محمد ود بوش” تدخل بحنكة وذكاء وأقنعهم بأنهم طلاب ودفع لهم مبلغاً مالياً ليرتفع الحصار ونمضي نحو طريق عترة الترابي باتجاه مدني التي بدت كمدينة أطلال شاحبة تفوح منها رائحة الموت والدم، لنصل بعدها إلى ارتكاز “مركز القلب” المخيف والشهير، والذي سنروي تفاصيله المرعبة في الحلقة القادمة إن كان في العمر بقية وتيسرت الأمور.