رأي وتحليل

تأملات جمال عنقرة … مصر والسودان .. لا تضيعوا الفرصة

 

تأملات

 

جمال عنقرة

 

مصر والسودان .. لا تضيعوا الفرصة

 

لست منزعجا لما يمكن ان يقول به الموتورون بسبب تقديمي لمصر علي السودان في عنوان هذا المقال، فلم يكن يهمني ما يقولون عندما كانوا يجهلون مصر ويعتبرون القرب منها جريمة وخيانة وعمالة، فكيف اهتم اليوم وقد ادركوا في المحنة أن مصر أهم صديق عند الضيق، ولا أجد حرجا في تقديمي لكثير من الأشياء المصرية علي نظائرها السودانية، لما لها من وقع في نفسي، فمدن كفر الشيخ وطنطا تتقدم عندي علي كل المدن السودانية عدا أم روابة عروس النيم والأبيض ابو قبة فحل الديوم، وأم درمان البقعة مبروكة الإله والدين، والزمالك المصري مقدم علي كل الفرق السودانية، عدا الموردة أم روابة وهلال التبلدي وحي الضباط والزهرة والحرية الامدرمانيين، ومريخ الصفوة، وهذا العام هلال أم درمان يمثلنا كل اهل السودان، وتاتي في محبة السادة الاقطاب أوتاد الأرض محبة سيدي أحمد البدوي وسيدي ابراهيم الدسوقي بعد محبة سيدي احمد التجاني مباشرة، والقائمة تطول.

 

ولكن هناك سبب اساسي جعلني اقدم مصر علي السودان في هذا العنوان، مهم جدا توضيحه، وتوضيح الأسباب الثانوية الاخري كذلك، والسبب الرئيس في تقديم مصر في هذا المقام، أن مسؤولية مصر في ألا تضيع هذه الفرصة التاريخية علي السودان ومصر معا، اكبر من مسؤولية السودان، فلا بد أن نذكرها اولا، ونذكرها بهذه المسؤولية التاريخية العظيمة.

وتتعاظم مسؤولية مصر بعظمة مقامها، ورسوخ نظامها، ومصر بالنسبة للسودان هي الشقيق الأكبر والأول، ومن هنا تأتي عظمة المسؤولية، ونظام الحكم في مصر نظام راسخ ومتين، وحاكم مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي يعرف قدر بلده، وقدر السودان بالنسبة لمصر، والعكس صحيح، وقديما كنت استدل علي ذلك بتقولته القوية الخالدة (ما لناش غير بعض) أما بعد الثامن عشر من شهر ديسمبر ٢٠٢٥م صار حديث الخطوط الحمراء هو السند القاطع، ويوم ١٨ ديسمبر يوم يجب أن يخلد في ذاكرة السودانيين والمصريين، ففي مصر لم يصدر الرئيس السيسي بيانا اقوي من بيان ٣٠ يزنيو ٢٠١٣م الا بيان ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥م، وفي السودان اري بيان ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥م، اهم من بيان ١٩ ديسمبر ١٩٥٥م الذي أعلن استقلال السودان من داخل البرلمان، فبينما بيان ١٩٥٥م اعلن استقلال الدولة ودماء الفتنة الاولي في أغسطس ١٩٥٥م لم تجف بعد، ،ولم يلتفت إليها او يعرها اهتماما، وكان هذا التجاهل وراء كل الدماء التي سألت بعد ذلك، اما بيان ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥م، جاء محذرا بقوة لكل من تحدثه نفسه بأن يلعب بأمن وأمان السودان، وتاتي أهمية هذا البيان من انه جاء في وقت ظلت تتداعي فيه دول وشعوب علي السودان، كما تتداعي الأكلة غلي قصغتها، وجاء من دولة يعلم الناس قدرها، وعندما يقول رئيسها قولا يعمل له الجميع ألف حساب، وهذا البيان يذكرني بيانا خالدا لابن خالتنا الراحل بطل العبور الرئيس محمد أنور السادات عندما فكرت إثيوبيا في انشاء سد النهضة لأول مرة، فجمع قادة الجيش المصري، وقال ذاك البيان في حضرتهم، فلزم كل إنسان مكانه.

 

الفرصة التاريخية العظيمة التي تهيأت للسودان ومصر، هي منحة محنة الحرب، التي جعلت السودانيين يتداعون تلقائيا صوب مصر، وكانت مصر حكومة وشعبا في الموعد، ويعلم الناس ماذا وجد السودانيون من خير في مصر، ويكفي أن عدد الذين وقدوا إلى مصر من اهل السودان بسبب الحرب وصلوا الملايين، بينما لم يبلغ الذين ذهبوا إلى كل البلدان الاخري معشار هذا الرقم، وبينما يعيش السودانيون في كل البلدان الاخري لاجئين، يعيشون في مصر مواطنين اصلاء.

 

صحيح ان الأحداث الأخيرة هي التي دفعتني لكتابة هذا المقال، لكنني اتجاوزها، وقد تاكد أن كثيرا مما كان يشاع غير صحيح، ولكن هذا أيضا امر مهم، فيجب الا نترك فرصة للقيل والقال، ومثل هذه القضايا المصيرية يحب ألا تترك للافندية مهما عظمت مواقعهم، ولا للذين يفكرون بعقلية الافندية، فلا بد من افكار من خارج الصندوق، ويحضرني في هذه اللحظة مثالين للتفكير حارج الصندوق، المثال الأول عندما اعتذرت مصر عن تطبيق الحريات الاربع كاملة لتقديرات امنية، فاقترح عليهم وزير الخارجية في ذاك الزمان الدكتور مصطفي عثمان أن يطبق السودان من جانبه كل الحريات، وتطبق مصر ما يتيسر لها إلى أن يأتي الوقت المناسب، فوافقت مصر وكان العبور.

 

 

المثال الثاني عندما تراكمت الغرامات علي السودانيين المخالفين لشروط الإقامة في مصر، قبل الحرب، وعجز كثيرون عن العودة إلى السودان بسبب الحرب، كتبت مقالا ناشدت فيه الرئيس السيسي تصفير العداد بالنسبة للسودانيين، حتى يتيح فرصة للراغبين في العودة أن يعودوا، وللذين يرغبون في البقاء في مصر لتوفيق أوضاعهم، وصادف ذلك المقال اجتماعا رئاسيا سوداني مصري، فعرض سفير السودان في مصر انذاك السفير محمد الياس ما كتبت غلي الاجتماع الرئاسي، فاصدر الرئيس السيسي فورا، ومن داخل الاجتماع قرارا قضي بإسقاط كل الغرامات السابقة علي السودانيين المخالفين لشروط الإقامة ومنحهم فرصة حتي نهاية ذاك العام لتوفيق أوضاعهم، أو العودة إلى ديارهم، ثم منحهم عاما اخرا بعد انتهاء ذاك العام، واذكر أن السفيرين المصري والسوداني، السفير حسام عيسي والسفير محمد الياس بعثا لي برسائل تنقل بشارة استجابة الرئيس السيسي لمناشدتي، قبل اعلان الخبر علي الكافة.

 

وأعود في مقال ثان بإذن الله تعالي للحديث عن افكار خارج الصندوق تعيننا علي استثمار هذه الفرصة التاريخية لاعادة بناء منطقة وادي النيل الموعودة بريادة العالم اجمع لو افلح أهلها في إحسان استغلال ما وضعه الله تعالي بين اياديهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى