مقالات

الدكتورة شذى الشريف: أنشودةُ الوفاءِ في سيرة امرأةٍ جعلت من الكلمة موقفاً ومن الوطن رسالة ╚═══════════════════════════════════╝ 🖋️ الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

الدكتورة شذى الشريف: أنشودةُ الوفاءِ في سيرة امرأةٍ جعلت من الكلمة موقفاً ومن الوطن رسالة

╚═══════════════════════════════════╝

🖋️ الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

╚═══════════════════════════════════╝

في حياة الأمم لحظاتٌ يبهت فيها الضجيج، وتخفت فيها الأصوات العالية، فلا يبقى في الذاكرة إلا صوتُ الصدق، ولا يخلد في التاريخ إلا أثرُ الموقف. وحين تمضي السنون وتُطوى الصفحات، لا يتذكّر الناس كثرة الكلمات، بل يذكرون تلك الأرواح التي جعلت من الكلمة ضميراً، ومن الفكر نوراً، ومن الوطن قبلةً لا تنحرف عنها البوصلة. وفي السودان، هذا البلد الذي علّم أبناءه أن الكرامة موقف وأن الوفاء عهد، تبرز بين الحين والآخر شخصياتٌ تشبه النخيل في صبرها، وتشبه النيل في عطائها، وتمضي في طريقها هادئةً ولكن عميقة الأثر. ومن بين تلك القامات النسائية التي يشرق اسمها في فضاء الفكر والإعلام، تتجلّى الدكتورة شذى عثمان عمر الشريف بوصفها صفحةً من صفحات الوفاء السوداني، ووجهاً من وجوه المرأة التي جمعت بين شرف الأصل وسمو الرسالة.

هي امرأةٌ وُلدت من بيتٍ له في تاريخ السودان صدى، وفي ذاكرة المجتمع مقام؛ بيتٍ تلاقت فيه العراقة مع الوقار، واجتمع فيه الحسب مع الخلق، حتى صار الاسم فيه أشبه بوسامٍ من القيم والمعاني. فكانت ابنةً لذلك الإرث الكريم، تمضي في دروب الحياة كما يمضي الضوء في الفجر: هادئاً ولكن قادراً على أن يبدد العتمة. ولم يكن النسب عندها مجرد ذكرى تُروى أو شجرة نسبٍ تُحفظ، بل عهدٌ أخلاقيٌّ تُجسّده في سلوكها، ورسالةُ انتماءٍ تعبّر عنها في فكرها ومواقفها.

فهي ابنةُ السودان قبل أن تكون ابنةَ بيتٍ كريم؛ وطنٌ يسكن قلبها قبل أن تسكنه، ورسالةٌ تحملها قبل أن تحمل اسمها. وإذا كان بعض الناس يذكرون أوطانهم حين تغيب، فإنها تذكر السودان حين يحضر وحين يغيب، حين يفرح وحين يتألم، كأنما صارت الأرض في وجدانها معنى، وصار الوطن في ضميرها أمانة.

وقد عرفتها الساحة الفكرية والإعلامية صوتاً لا يعلو بالصخب بل يسمو بالحكمة؛ صوتاً يجمع بين رهافة العبارة وقوة الفكرة، وبين لطف الخطاب وعمق التحليل. فإذا تحدثت انفتح المعنى كما ينفتح الفجر، وإذا كتبت أضاءت الفكرة كما يضيء المصباح في ليلٍ طويل. وهي في ذلك تمثل ذلك النموذج النادر من المثقفين الذين يؤمنون بأن الكلمة ليست زخرفاً لغوياً، بل مسؤولية أخلاقية، وأن الحرف إذا صدق صار جسراً بين العقول، وإذا خلص صار نوراً يهدي الضمائر.

ولم يكن هذا الحضور الفكري وليد المصادفة، بل هو ثمرة مسيرةٍ علميةٍ جادةٍ تشبه في انتظامها نهر المعرفة حين يتدفق في مجراه الهادئ. فقد نالت درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة النيلين، بعد أن سبقتها درجة الماجستير في الإعلام من جامعة الخرطوم، إلى جانب دراساتٍ عليا في الدراسات الدبلوماسية وبكالوريوس العلوم السياسية. وهكذا اجتمع في تكوينها جناحان متكاملان: جناح السياسة الذي يهبها القدرة على قراءة العالم بوعيٍ استراتيجي، وجناح الإعلام الذي يمنحها فن التعبير المسؤول، فصارت تجمع بين الفهم العميق والبيان الرصين.

وفي مسيرتها المهنية بدت شخصية الدكتورة شذى مثل بستانٍ تتجاور فيه الخبرة مع الحكمة؛ فقد تقلّدت مواقع قيادية في مركز دراسات المستقبل برئاسة الجمهورية السودانية، فشغلت منصب المدير العام للمركز بعد أن كانت نائباً له، وقبل ذلك أدارت ملف العلاقات الخارجية وأسهمت في قيادة إدارات الإعلام والتدريب. وهناك تجلت روحها المؤسسية بوضوح، إذ كانت ترى أن بناء المستقبل لا يبدأ من الغد، بل يبدأ من الفكرة التي تُزرع اليوم في تربة الفكر والتخطيط.

وامتد حضورها كذلك إلى فضاءات العمل الاقتصادي والمؤسسي حين مثّلت وزارة التجارة في الشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة، وأسهمت في تنظيم فعاليات اقتصادية وطنية كبرى، من بينها مشاركتها في إدارة معرض الخرطوم الدولي؛ وهو عملٌ يحتاج إلى دقة التنظيم، وحكمة التنسيق، ومرونة الدبلوماسية المهنية.

غير أن إحدى الصفحات الأكثر إشراقاً في مسيرتها تتجلّى في تجربتها في إدارة مركز الشريف لدراسات الإعلام والتدريب؛ ذلك المركز الذي صار، بجهودها، أشبه بواحةٍ للفكر في صحراء الصخب. هناك اجتمعت العقول المختلفة حول طاولة الحوار، وتلاقت الآراء المتباينة بحثاً عن كلمةٍ سواء. فقد آمنت بأن الأزمات الكبرى لا تُحلّ بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأعمق؛ وأن المجتمعات لا تبنى بالخصومة بل بالتفاهم.

ومن خلال الملتقيات الفكرية التي نظمها المركز، طرحت قضايا تمسّ صميم المجتمع السوداني، مثل خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي، وظاهرة انتشار المخدرات بين الشباب، داعيةً إلى خطابٍ إعلاميٍّ مسؤول يزرع الوعي بدل الانقسام، ويغرس الأمل بدل اليأس، ويبني الجسور بدل المتاريس.

غير أن القيم الكبرى تُعرف في ساعات العسر أكثر مما تُعرف في ساعات اليسر. وحين عصفت بالسودان رياح المحنة، واختلطت الأصوات بين خوفٍ ورجاء، اختارت الدكتورة شذى أن تبقى في الوطن، في بورتسودان، إلى جانب شعبها الصابر، في وقتٍ غادر فيه كثيرون البلاد. كان ذلك القرار موقفاً بليغاً لا يحتاج إلى تفسير، لأن الأفعال حين تصدق تصبح أبلغ من الخطب، وأصدق من الشعارات.

ومنذ تلك اللحظة ظل صوتها الإعلامي حاضراً في المنابر والفضائيات والإذاعات، مدافعاً عن الحقيقة، شاهداً على الألم، ورافعاً صوت الضحايا الذين حاولت المأساة أن تسلبهم حتى حق الكلام. فقد تحدثت بوضوح عن الجرائم التي طالت المدنيين في عدد من المدن والقرى السودانية، من ود النورة إلى الصالحة بالفتيحاب، ومن بارا إلى الجنينة، مطالبةً بتوثيق تلك المآسي وكشفها أمام الرأي العام المحلي والدولي؛ لأن الذاكرة الوطنية لا يجوز أن تُطمس، والعدالة لا يجوز أن تُؤجَّل.

كما شاركت بفاعلية في اللجنة الوطنية لفك حصار مدينة الفاشر، حيث أسهمت عبر المسار الإعلامي في إيصال صوت المدينة المحاصرة إلى العالم، داعيةً المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى تحمّل مسؤولياتهم تجاه المدنيين الذين واجهوا ظروفاً إنسانية قاسية.

وامتد عطاؤها كذلك إلى فضاءات الدبلوماسية الشعبية، حيث شاركت في مبادراتٍ هدفت إلى التعبير عن امتنان الشعب السوداني للدول التي وقفت إلى جانبه في محنته، ومن بينها مبادرة “شكراً المملكة العربية السعودية حكومةً وشعباً”، مؤكدةً أن الوفاء بين الشعوب يظل من أنبل القيم التي تبنى عليها العلاقات الإنسانية الصادقة.

وهكذا تبدو الدكتورة شذى عثمان عمر الشريف في صورتها الكاملة امرأةً تتعانق في شخصيتها المعاني المتقابلة: هدوء العبارة وقوة الفكرة، رقة الروح وصلابة الموقف، عمق المعرفة وبساطة التواضع. فهي حين تتحدث تجمع بين البيان والبرهان، وحين تعمل تجمع بين الحلم والالتزام، وحين تقف مع وطنها تجمع بين الوفاء والرجاء.

إنها ليست مجرد شخصيةٍ إعلامية أو أكاديمية، بل صورةٌ من صور المرأة السودانية التي تقف في زمن العتمة مثل نجمةٍ لا تنطفئ، تذكّرنا بأن هذا الوطن، مهما ادلهمت خطوبه، ما يزال قادراً على أن ينجب من بناته من يحملن راية الوعي ويكتبن بالكلمة الصادقة سطور الوفاء.

وهكذا تظل الدكتورة شذى الشريف سيرة امرأةٍ يتعانق فيها المجد بالموقف، ويجتمع فيها النسب الكريم مع الفعل الكريم؛ امرأةٍ جعلت من الكلمة رسالة، ومن المعرفة نوراً، ومن الوطن قضيةً لا تغيب عن قلبها ولا عن قلمها.

فهي، في جوهر تجربتها، ليست اسماً يُكتب في سجل السيرة، بل معنى يُكتب في سجل الوطن؛ وليست صوتاً عابراً في زمنٍ مضطرب، بل صدىً باقياً في ذاكرة السودان، تلك الذاكرة التي لا تنسى أبناءها وبناتها الذين حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا أسماءهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى