هندسة الوعي (255): متى تتوقف عن اتخاذ القرارات؟.. قواعد “هالت” وتسمم الكيمياء الحيوية* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (255): متى تتوقف عن اتخاذ القرارات؟.. قواعد “هالت” وتسمم الكيمياء الحيوية*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا تفاصيل الحياة اليومية وضغوط العمل المستمرة أمام اختبارات دقيقة لا تتوقف في إصدار الأحكام واتخاذ القرارات. فحين نثق بشكل مطلق في قدراتنا العقلية ونعتقد أننا ندير خياراتنا بحكمة تامة في كل الأوقات، فإننا نغفل عن حقيقة بيولوجية بالغة الأهمية تؤكد أن عقولنا قد وقعت رهينة لتسمم كيميائي مؤقت يفقدنا السيطرة والاتزان. ولقد كشفت دراسة علمية شهيرة أُجريت في جامعة كولومبيا على قرارات قضاة محترفين حول الإفراج المشروط أن العامل الحاسم في قبول الطلب أو رفضه لم يكن نوع الجريمة ولا ملف السجين، بل كان توقيت الجلسة ومدى شبع القاضي أو إرهاقه، إذ تنخفض نسبة القرارات المتوازنة تدريجياً مع اقتراب موعد الاستراحة بسبب الجوع والإرهاق، تماماً مثلما يندفع الإنسان لشراء ما لا يحتاجه من أطعمة حين يتسوق وهو جائع، ليقف بعدها مذهولاً من حجم التسرع في الإنفاق وسوء التقدير.
يعلمنا علم الأعصاب وعلم النفس الإكلينيكي أن هناك بروتوكولاً علمياً شهيراً يُعرف بـقاعدة هالت (HALT)، وهي اختصار لأربع حالات بيولوجية ونفسية سامة تفسد صفو التفكير وهي: *الجوع، الغضب، الوحدة، والإرهاق.* فحين يقع الإنسان في أي حالة من هذه الحالات الأربع، يحدث في الدماغ ما يُسمى علمياً *اختطاف اللوزة*، حيث يؤدي انخفاض السكر في الدم أو ارتفاع هرمونات الكورتيزول والأدرينالين إلى تعطيل مراكز التفكير المنطقي في الفص الجبهي تماماً، لتنتقل قيادة الدماغ إلى المراكز البدائية التي تسعى للهروب السريع من الألم اللحظي بغض النظر عن العواقب الوخيمة لاحقاً. من هنا تصدر قرارات كارثية (كإرسال رسالة عتاب قاسية في منتصف الليل أثناء الشعور بالوحدة، أو الاستقالة المفاجئة من العمل في لحظة غضب، أو شراء التزامات مالية باهظة تحت وطأة الإرهاق والتشتت الذهني).
وقد سبق التشريع الإسلامي الحكيم أحدث اكتشافات علم النفس والطب العصبي بقرون طويلة حين وضع القواعد المانعة لاتخاذ القرارات في حالات التشويش الذهني، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم القاضي عن الحكم بين اثنين وهو *غضبان* لأن الغضب يشوه البصيرة ويحجب رؤية الحق، وقد شرح كبار الأئمة كالإمام النووي وابن حجر رحمهم الله هذا الحديث الشريف مؤكدين أن الحكم ذاته ينسحب ويلحق بكل ما يشوش الفكر ويذهب كمال العقل، *كالجوع المفرط، والعطش، والهم الشديد، وغلبة النعاس والإرهاق*. وحين طلب رجل من النبي صلى الله عليه وسلم نصيحة جامعة تدير حياته وقراراته، أجابه باختصار بليغ: *لا تغضب* وكررها مراراً، تأكيداً على أن ضبط الانفعالات وحماية العقل من الاختطاف البيولوجي هما أساس الحكمة وصلاح القرارات.
إن هندسة الوعي الحقيقية تقتضي منا أن نتوقف تماماً عن اتخاذ القرارات المصيرية أو الحساسة حين تداهمنا إحدى حالات قاعدة هالت، وأن نمنح أنفسنا مساحة من الهدوء والاتزان ريثما تعود الكيمياء الحيوية لدماغنا إلى وضعها الطبيعي السليم.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم: كم من قرار متسرع اتخذته في لحظة جوع أو غضب أو إرهاق، واكتشفت لاحقاً أنك كنت بحاجة فقط إلى التوقف والهدوء قبل أن تحسم أمرك؟
الخميس 29 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول أثر الحالة النفسية والبيولوجية في اتخاذ القرار في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة وبناء الوعي المشترك