ثقافة وفنون

*هندسة الوعي (232): الجيش الأزرق واستحقاق الكرامة في معركة البقاء* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (232): الجيش الأزرق واستحقاق الكرامة في معركة البقاء*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

تضعنا قيم الأمانة الأخلاقية والوفاء الوطني أمام حقيقة ناصعة لا تقبل الجدال؛ وهي أن الشعوب الصامدة لا تبنى بالوعود، ولا تُدار أزماتها بتجاهل الذين يخوضون معارك البقاء الحقيقية في الميدان. إن تاريخ العطاء الإنساني يخلد دائماً أولئك الذين وقفوا في الخطوط الأمامية حين اختبأ الآخرون، وحملوا أرواحهم على أكفهم لتبقي أوردة الحياة نابضة في قلب المجتمع.

وفي أتون الحرب الدائرة والظروف المعقدة التي عاشتها ولاية الخرطوم، برز أبناء هيئة المياه ككتيبة صمود قائمة بذاتها، حتى أطلق عليهم المواطنون بكل فخر وإجلال أفراط “الجيش الأزرق”. هؤلاء الأبطال المرابطون لم يكتفوا بالبقاء في مواقعهم، بل حفروا الأرض وتحركوا تحت القصف ودانات الرصاص، وصانوا المحطات النيلية والآبار وساروا بين الخطوط الناقلة المكسورة ليردوا العطش عن تسعة ملايين إنسان. لقد قدمت هذه المؤسسة شهداء وأبراراً اختلطت دماؤهم الزكية بشرابات المياه النظيفة وهم يؤدون واجبهم الرسالي، مقدسين قطرة الماء كمعنى أصيل للحياة والكرامة.

غير أن الوعي الاستراتيجي يصاب بالذهول حين يُقابل هذا التضحية والوفاء بالارتجال القراري وقلة التدبير الإداري. إن اتخاذ قرارات تخفف العبء عن المواطن بإعفائه من الرسوم يُعد خطوة إنسانية مقدرة، لكن ترك المؤسسة القائمة على الخدمة تترنح بلا بدائل مالية موفرة لرواتب العاملين يمثل خللاً كبيراً في ترتيب الأولويات؛ إذ كيف نكافئ من سقانا وقت الحرب بتجاهل حقوقه وأبسط مقومات عيشه وعائلته؟

إن العدالة الناجزة تقتضي من القيادة العليا للدولة، وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التفاتة حازمة ومباشرة تعيد الهيبة والكرامة لهؤلاء العاملين. إن عمال المياه الذين شغلوا محطاتهم بالجهد الذاتي ودعم المبادرات والمنظمات، لا يستجدون حقاً ولا يتسولون مكافأة، بل يطالبون باستحقاق واجب ومستحق، تكليماً لجهدهم ورعاية لأسرهم، وتأميناً لاستمرار شريان الحياة الرئيسي في العاصمة.

إن الوقوف الصلب مع عمال المياه وصرف كافة استحقاقاتهم وتوفير الدعم المباشر لهيئتهم هو اختبار حقيقي لوفاء الدولة تجاه أبطالها الذين حفظوا لها أصل البقاء وكرامة المواطن.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل ننتظر حتى تتوقف أوردة الحياة كلياً أم نملك الشجاعة والوعي للوقوف المباشر مع الجيش الأزرق وإنصاف عماله وتأمين حقوقهم كاملة دون تسويف

 

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026م

شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى