هندسة الوعي (229): وهم الكمالية وكسر درع التسويف* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (229): وهم الكمالية وكسر درع التسويف*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا مفاهيم البناء النفسي والتخطيط السلوكي أمام قضية عميقة تمس مسيرة الإنجاز عند كل إنسان وهي وهم التفتيش عن الكمال المطلق قبل البدء في العمل. إن الكثير من المبدعين والعاملين يقعون في فخ التأجيل والتسويف تحت لافتة براقة يخدعون بها أنفسهم وهي الرغبة في إخراج العمل بصورة مثالية خالية من أي نقص، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن هذه المثالية ليست سوى درع ثقيل نرتديه لحماية أنفسنا من خوف النقد أو الرفض.
يرتبط هذا السلوك في علم النفس بمفهوم الاستحقاق الذاتي المشروط، حيث يدمج العقل اللاواعي بين قيمة العمل وقيمة الإنسان ذاته. وحين يخشى المرء أن يُوصف بالتقصير يهرب عقله إلى حيلة دفاعية ذكية وهي التسويف والمماطلة، ليكون لديه مبرر جاهز يعلّق عليه عدم الوصول إلى النتيجة المرجوة بدلاً من مواجهة تقييم جهده البشري الطبيعي.
إن النضج الفكري والأخلاقي يقتضي منا التحرر من هذا القيد الإنساني، وإدراك أن النقص والمراجعة والتصويب صفات أصيلة في كل جهد بشري. فقد ظل الإمام الشافعي يعيد مراجعة كتابه الشهير الرسالة مراراً وتكراراً وفي كل مرة يجد ما يعدله حتى قال كلمته الخالدة: أبى الله أن يتم إلا كتابه. فالكمال لله وحده، والتطور الحقيقي لا يأتي من الانتظار الساكن بل من الشروع في المبادرة والتعلم أثناء الطريق وتصحيح المسار خطوة بخطوة.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل ظروف التعافي وإعادة البناء التي نعيشها اليوم، لا نملك رفاهية الانتظار حتى تكتمل كل الظروف المثالية لنبدأ العمل. إن المهندس الذي يسعى لتأهيل محطة خدمة، والموظف الذي يرمم خطة عمله، والمواطن الذي يبادر بتنظيم حيه، جميعهم يحتاجون إلى الانطلاق بالإمكانات المتاحة وتجاوز عقبة التردد، لأن خطوة عمل ناقصة يبدأ تنفيذها اليوم خير من مشروع مثالي يظل حبيس الأدراج والنيات المترددة.
إن التخلص من عبء الكمالية المستحيلة هو المفتاح الحقيقي لاستعادة فاعليتنا وحماية عقولنا من الشتات والتأجيل الدائم.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نستمر في مكبلين بوهَم الكمالية ونؤجل خطواتنا أم نملك الشجاعة لنبدأ بالمتاح ونصلح مسارنا أثناء حركة الإنجاز والعمل
السبت 3 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة