هندسة الوعي (221): وعي النعم وفلسفة الإحصاء*

*هندسة الوعي (221): وعي النعم وفلسفة الإحصاء*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا الآيات القرآنية والتأملات الإيمانية أمام حقيقة جليلة تعيد تشكيل وعينا بالواقع والحياة وهي قول الله تعالى {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}. إن التأمل العميق في اللفظ القرآني يكشف لنا أن العد هو محاولة معرفة عدد الأشياء واحدة واحدة بينما الإحصاء هو مرحلة أعمق بكثير تعني بلوغ الشيء وضبطه والإحاطة به كليا. وهذا يعني أن الإنسان قد يستطيع البدء في عد بعض النعم الظاهرة ولكنه لن يستطيع أبدا الإحاطة بها أو ضبط إحصائها لكثرتها وتشابكها.
إن العجب يكمن في مجيء كلمة نعمة بصيغة المفرد؛ فلم يقل الله نعم بل قال نعمة الله. والسبب في ذلك أنك حين تحاول عد نعمة واحدة مفردة تكتشف أنها تفتح لك أبوابا من النعم المترابطة بها والتي لا حصر لها. فلو أخذنا نعمة العين كإحدى النعم المفردة على سبيل المثال ستجد أنك كي ترى تحتاج إلى النور والأعصاب والدماغ وجريان الدم والقدرة الدقيقة على إدراك ما تراه فتتحول النعمة الواحدة إلى منظومة متكاملة من أسباب الحياة والعافية.
فكيف إذن إذا حاولنا التفكير في بقية النعم من سمع وتنفس وعقل وقدرة على الحركة وقلب ينبض في أجسادنا دون أن نطلب منه ذلك؟ ولهذا قال جل وعلا {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}؛ فبعض النعم نراها ونستشعرها وبعضها نعيش بها دون أن نشعر بحضورها ولا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها أو تتكدر علينا. وهنا يتضح الوعي الحقيقي؛ فمهما حاول الإنسان إحصاء فضل الله سيجد نعمة وراء نعمة تقوده إلى أفضال أخرى لا تنتهي.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل الظروف الراهنة والتحديات المعيشية الصعبة يميل العقل أحيانا للتركيز على المفقود والمشقات غير أن الوعي السليم يعلمنا استشعار نعمة الأمان الشبه جزئي ونعمة العافية والتكافل بين الأهل والحديث مع الأحباء ووجود اللقمة والشربة في يومنا. إن النعم الباطنة التي تحيط بنا في أوقات الأزمات هي المحرك الأساسي الذي يمنحنا الصبر والصلابة النفسية لمواجهة الواقع وتجاوز المحن.
حين ننتقل من ضيق الشكوى إلى سعة الامتنان ندرك أننا نعيش في أفلاك من نعم الله التي لا تدري مداها وتتحول نعمة الشكر نفسها إلى طاقة أمل وتجدد للبناء والاستمرار.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نغفل عن نعم الله الباطنة تحت ضغط الظروف اليومية أم نتدبر أفضاله المحيطة بنا لتكون دافعا للصمود والعمل وإعادة النهوض
الجمعة 25 سبتمبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة