Uncategorized

هندسة الوعي (199): وهم النقص ورحلة الاستنزاف النفسي*

*هندسة الوعي (199): وهم النقص ورحلة الاستنزاف النفسي*

بقلم: د. ماهر عزالدين

 

​حين يسمع معظم الناس كلمة “الفقر”، يتجه أذهانهم مباشرة إلى نقص الموارد المادية أو العجز المالي، لكن القوانين النفسية والقرآنية تلفت النظر إلى بعد أكثر عمقاً وأثراً في حياة الإنسان؛ ألا وهو الفقر الذهني والشعوري الذي يبدأ من الداخل. تأتي الآية الكريمة حاسمة في تشخيص هذا الوهم: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}.

​الصراع النفسي الحقيقي لا يبدأ بسلب النعمة المادية منك، بل بانتزاع الإحساس بالرضا وزرع شعور متواصل بالنقص. إن حالة القلق التي تصيب الإنسان تجعله يتوهم أن ما يملكه لا يكفي، وأن المستقبل مليء بالمخاوف، وأن السعادة مؤجلة دائماً إلى حين تحقيق شيء مفقود. هنا تبدأ رحلة الاستنزاف النفسي والذهني، حيث يدخل الفرد في سباق محموم لا ينتهي حذراً من الضياع، فيخسر لحظته الحاضرة بحثاً عن أمان وهمي.

​عندما يتركز الانتباه كلياً على المفقود، يغيب الموجود تلقائياً عن دائرة الإدراك. يعيش الإنسان حينها مشاعر الاحتياج الشديد والتعب النفسي على الرغم من كثرة النعم المحيطة به. ما تسكن فيه بنظرك وتفكيرك هو ما يتوسع حتماً في واقعك؛ فإذا سكن وعيك في النقص اتسع شعورك بالحرمان، وإذا سكنت في الخوف اتسعت في حياتك المساحات المظلمة والمخاوف.

​إن هذا التشتت الروحي والنفسي يوضح لنا الفارق الجوهري بين إنسان يملك القليل لكنه ينعم بالطمأنينة والسكينة، وآخر يملك الكثير لكنه يعيش بروح معوزة وكأنه لا يملك شيئاً. الفارق لا يكمن في حجم النعمة المادية المقاسة بالأرقام، بل في الوعي الذي تنظر به إليها والزاوية التي تتأملها منها.

​تقتضي الحكمة الإدارية والنفسية استعادة السيطرة على اتجاه الوعي؛ بتوجيه الذهن نحو بركة المتاح والامتنان له بدلاً من الاستغراق في رصد النقص. إن صناعة الأمان النفسي وبناء المؤسسات والمجتمعات المستقرة تبدأ من تحرير العقول من وهم الفقر والشح، والارتقاء بوعي الإنسان ليدرك أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس واستشعار الوفرة.

​يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من يختبر مشاعر القلق والاحتياج: هل نقيم واقعنا بناءً على ما نملكه حقاً في أيدينا، أم نترك وعينا أسيراً لوهم النقص الذي يستنزف طاقاتنا؟

​الثلاثاء 25 أغسطس 2026م

شاركونا آراءكم وانطباعاتكم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى