هندسة الوعي (197): هندسة الكوثر وانقطاع الأذى*

*هندسة الوعي (197): هندسة الكوثر وانقطاع الأذى*
بقلم: د. ماهر عزالدين
تنساب سورة الكوثر في الوجدان كأقصر سور القرآن، لكنها تحمل أعمق قوانين الدعم النفسي والوعي الروحي لكل من تعرض للإساءة، أو محاولات التقليل، أو الأذى من محيطه. حين تشتد محاولات الخصوم للنيل من مكانة الإنسان أو السعي لإحباطه، تأتي هذه السورة لتعيد ترتيب أولويات العقل، وتصحيح زاوية الرؤية تجاه العطاء والخصومة.
تبدأ السورة بفرمان إلهي حاسم: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. لم يقل الحق سبحانه “سنعطيك”، بل جاء الفعل بصيغة الماضي المحقق، ليكون العطاء واقعاً حاصلاً وثابتاً لا وعداً مستقبلياً معلقاً. والكوثر في اللغة متجاوز لفكرته المحصورة في نهر الجنة؛ فهو صيغة مبالغة من الكثرة والوفرة والخير الممتد الذي لا تنضب ينابيعه. تعلن الآية أن الخير الممنوح لك أوسع وأعظم من أن تحصره محاولات التضييق التي يمارسها حولك من يضمرون لك البغض.
ثم تأتي التوجيهات الإجرائية للتعامل مع هذا العطاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. حرف الفاء هنا يربط النعمة بالاستجابة؛ أي إذا غمرك الله بالفضل والوفرة، فلا تنشغل بالنعمة وتنسى المنعم، ولا تذهب طاقتك في ملاحقة الحاقدين. وجّه وجهتك بالكامل نحو الخالق بالعبادة والعطاء والشكر، ودع دائرة الخصومة تُدار بقوانين السماء.
تُتوّج السورة بختام يقلب الموازين الإنسانية: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. المعنى واضح وحاسم؛ إن من يحمل لك الكره والبغض هو المقطوع أثره، والمنقطع خيره، والمهزوم في نهاية المطاف. السورة تمنحك إستراتيجية صريحة للتحرر النفسي؛ لا تجعل الشانئ والعدو هو محور حياتك، ولا بطل قصتك، ولا تسمح لمن يكرهك أن يستنزف تفكيرك أو يأخذ حجماً أكبر من حجمه في يومك.
تنقلك سورة الكوثر بنعومة من التفكير في أذى الشانئ إلى الاستغراق في بركة الكوثر. إن الانشغال بإنشاء الخير وتطوير الذات والارتقاء بالمؤسسات والمجتمع هو الرد المباشر والأبلغ على كل محاولات الهدم. فإذا كان لديك ما يستحق أن تبنيه، فلا تهدر حياتك وطاقتك الذهنية في مراقبة من يتمنى زوالك، فالأبتر حتماً هو من يستنزف عمره في كراهية الآخرين.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من واجه الأذى في طريقه: هل نترك مساحات تفكيرنا ومستقبلنا ليرسمها من يبغضون نجاحنا، أم نلتفت إلى حجم “الكوثر” المودع في أيدينا ونتقدم بثبات؟
الأحد 23 أغسطس 2026م
شاركونا آراءكم وانطباعاتكم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.