ثقافة وفنون

هندسة الوعي (مقال ملحق): رسالة لبريد مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، حين يكون الإعفاء مجحفاً بحق من يروي العاصمة!* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (مقال ملحق): رسالة لبريد مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، حين يكون الإعفاء مجحفاً بحق من يروي العاصمة!*
بقلم: د. ماهر عز الدين

تتكسر أحياناً القرارات الإدارية الكبرى على صخرة الحقائق المرة في واقع العمل الميداني، فحين يُطالعنا قرار مجلس الوزراء الموقر بإعفاء المواطن من قيمة استهلاك المياه لفترة خمسة أشهر، فإننا نقابل هذا القرار بكل الاحترام والتقدير لدوافعه الرامية لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، غير أن أبسط قواعد التخطيط الإداري والحوكمة الرشيدة كانت تقتضي من المجلس أن يحرص بالتوازي مع ذلك على وضع آلية محكمة تضمن استلام هيئة مياه ولاية الخرطوم لكامل المبلغ المطلوب ودون أي تأخير، ودون أن يجد العاملون الأبطال أنفسهم في حاجة لاستجداء حقوقهم ومستحقاتهم طوال فترة الإعفاء.
وحين نسبر أغوار المعاناة الإنسانية ونقف على عمق المأساة الصحية التي يعاني منها هؤلاء الجنود المجهولون وأسرهم، يقف العقل حائراً أمام حجم التناقض الصارخ، فالعاملون الذين ينتظرون بفارغ الصبر ساعة الصفر لتدشين الصندوق العلاجي -الذي كان قاب قوسين أو أدنى من إطلاق طوق النجاة الصحي بعد سنوات طويلة من الحرمان- صُدموا بتداعيات توقف التحصيل التي ألقت بظلالها الثقيلة على موارد الصندوق وأعادت الملف إلى مربع الصفر. إن هذا التعطل القسري للرعاية الصحية يترجم إلى آلام حقيقية يعيشها الموظف والعامل الذي يتكبد ثمن الدواء من جيبه الخاوي أصلاً، بل ويمتد الوجع ليطال الأبناء والأمهات، كقصة تلك الطفلة التي تبكي من ألمها ولا يجد أبوها سبيلاً لعلاجها، أو المعاناة اليومية لتوفير أدوية الأمراض المزمنة في ظل عجز تام يفرضه تعطل الصندوق العلاجي.
إن الحوادث اليومية التي تعرض لها بعض الزملاء أثناء توجههم لأداء واجبهم المقدس على دراجاتهم البسيطة، تعكس مدى جسامة التضحيات وقسوة الظروف التي يعملون من خلالها دون أبسط مظاهر الحماية أو الرعاية الصحية المضمونة.
إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تفرض على متخذي القرار تدارك هذه الفجوة المالية، وابتكار معالجات بديلة تعوض الهيئة عن قيمة الإعفاء لضمان استمرار عمل الصندوق العلاجي والمرافق الخدمية. إن فك الحصار المالي عن الصندوق العلاجي لهيئة مياه ولاية الخرطوم هو استحقاق أصيل وواجب وطني عاجل لصيانة كرامة من يحافظون على بقاء العاصمة تنبض بالحياة.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل ضمير حي وصانع قرار اليوم: متى ندرك أن استقرار *سُقاة الخرطوم* وتوفير الرعاية الصحية لهم ولأسرهم هو خط الدفاع الأول عن أمن الوطن واستمراره، وأن دعم مؤسساتنا الخدمية وحماية حقوق العاملين فيها هو المعيار الحقيقي لعدالة القرارات؟

الأحد 25 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول معاناة العاملين بهيئة مياه ولاية الخرطوم في التعليقات، وساهموا في نشر الحقيقة لدعم حقوقهم العادلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى