*من خلف الحدود وأرض الجدود* *من حلفاية الملوك في تكريم* *الأستاذ علي نايل محمد* بقلم: أبو مشرقة

*من خلف الحدود وأرض الجدود*
*من حلفاية الملوك في تكريم* *الأستاذ علي نايل محمد*
بقلم: أبو مشرقة
كنت يومها يافعًا، أعمل موظفًا تجاريًا بمحلات عمي الراحل عثمان خوجلي بالخرطوم بحري. ومن ضمن مهامي في العلاقات العامة، كان عليَّ الاطلاع على كل ما يصدر من صحف محلية، وحتى بعض الصحف العالمية.
كانت يومها «ألسنة السودان» صحيفتي الصحافة والأيام، قبل أن تلحق بهما الإصدارات الأخرى. وكانت الأخبار يومها تسير بوتيرة هادئة غير متسارعة، فكنت حريصًا على متابعة ما يُنشر في صفحات الرأي، وما أدراك ما الرأي العام، بكتاباته المميزة ومن مختلف الاتجاهات السياسية، والتي كانت تصب في نهاية الأمر في مصلحة الوطن.
كانت تلك الصحف جريئة في طرح الأفكار، ومن بين أولئك الكتاب الأستاذ الكبير علي نايل محمد، الذي كنت أتابع كتاباته باهتمام، وألحظ همَّه الكبير فيما يقدمه من موضوعات. وكنت أميّزه بلقب «صاحب العمامة»، الذي كان ينضح شبابًا في فكره، وحيويةً في طرحه.
وكم كنت سعيدًا عندما علمت أنه أحد ملوك وأرباب وأعيان البقعة التي أحببت أهلها، لما تميزوا به في شتى ضروب الحياة. وسعدت أيما سعادة عندما انضم هذا الهرم الشامخ إلى فيلق العلماء الذين خرجوا من ذلك النبع الوارف، ومن تلك الأرض المباركة.
ومن هؤلاء العالم الجليل والفقيه يوسف شنيبو، الذي تشرفت بالصلاة خلفه لأكثر من عشرة أعوام بمسجد الخرطوم بحري الكبير. وزاد فخري عندما علمت أيضًا أن الدكتور الحبر يوسف نور الدائم من أبناء المنطقة، من الريف الشمالي.
وكان ذلك سببًا في توثيق علاقاتي بالمنطقة، وبذلك الهرم الشامخ، الأب فعلًا، المك عبد الله الريح حسين، أول من شجع أهالي الجزيرة إسلاَنَج على الخروج والتمدد غربًا خارج الجزيرة.
وكانت معلوماتي عن تلك الوقائع كثيرة وموثقة، فله الرحمة والمغفرة، ولجميع صحبه الكرام من الآباء والأكارم الذين شاركوا في ذلك العمل الجليل. وقد اجتمعت بهم، رغم حداثة سني، في شتى المناسبات، نتيجة تلك الأواشج الرحيمة، ونتيجة ذلك التصاهر الطاهر الذي جمع بيننا.
وفي تسعينيات القرن الماضي نشأت علاقتي بعالم الكتابة والصحافة، متلمسًا خطى الأستاذ صاحب العمامة، ذي القلم الرشيق، الذي، كما ذكرت وأسلفت القول، كان يتفجر وطنية وحبًا للوطن، تلمسه بين حروفه البسيطة والعميقة.
وقد صرت له قارئًا ومتابعًا غير معلن، وها هو اليوم ينكشف ذلك ويظهر إلى العلن.
وكان من ثمار ذلك أن تطورت علاقتي بصفحة الرأي في صحيفة الوطن لأكثر من خمسة عشر عامًا. وفي تلك المرحلة من النضوج، تناولت العديد من الموضوعات في شتى المناسبات عن تلك البقعة الطاهرة، الجزيرة إسلاَنَج، مستأذنًا الأستاذ علي نايل قبل الغوص في أي معلومة تتعلق بالمنطقة.
حتى إن رئيس التحرير في الصحيفة كان يقول لي:
«ماذا بينك وبين الجزيرة إسلاَنَج؟»
فكانت إجابتي دائمًا:
«يكفي أنها أنجبت الأستاذ علي نايل محمد.»
وقد تلقيت منه العديد من الإشادات والتشجيع، وكانت بالنسبة لي مؤونة أدبية أحتفي بها كثيرًا.
وفيما بعد علمت أن للأستاذ علي نايل محمد صلة قوية بـابن عمر الحاج عمر عثمان خوجلي، الذي كان يلازمه في عضوية الحزب الاتحادي الديمقراطي، وقد جمع بينهما أيضًا حب الخرطوم بحري، التي كانت تحتضنهما في آخر الزمان.
وذلك ماضٍ من الحديث عنه لا ينتهي.
أما في فترة الحرب الأخيرة التي ضربت البلاد، فقد بدأت تتكشف لي العديد من الجوانب التي زادت من تقديري لهذا الرجل. فقد كنت حريصًا على اللقاء بالأستاذ علي نايل كل أسبوع في راكوبة أولاد الشيخ، جزاهم الله كل خير، على ذلك المنتدى الأسري الشفيف.
كنا نتجاذب أطراف الحديث والأخبار، بحضور الأستاذ الكبير علي نايل وكوكبة من الحاضرين. وقد لمست همَّه الكبير واهتمامه براحة الوافدين، الذين أجبرتهم الحرب على النزوح إلى هذه الديار المباركة، وإلى أهلها المباركين.
ولأنني لم أكن في نفس درجة أولئك النازحين، فقد أصبحت أولادي وبناتي أسماءً في حياة ومكوّن هذه البقعة المباركة، وأحسب أن شهادتي في تلك الفترة البسيطة التي قضيتها في كنفهم، مع أسرتي، شهادة مجروحة من شدة المحبة والامتنان.
فالأستاذ علي نايل محمد لم يعد عندي ذلك القلم واللسان العذب فحسب، بل شهدت كم كان مهمومًا بمعاش هؤلاء الوافدين وصحتهم، كريمًا معهم، مشاركًا آباءهم أفراحهم على بساطتها، وأتراحهم التي لا تستأذن.
وكم، وكم، وكم شرفني كثيرًا، حين حضر وبارك عقد قران كريمتي، نيابة عن آبائي وأعمامي العشرة، متعه الله بالصحة والعافية.
وقد كان لي بمثابة الأب والصاحب، وصاحب المشورة والرأي. وكنت أعلم أن ظروفه الصحية لم تكن تمكنه من الحضور، لكنه أصرَّ على أن يحضر، مباركًا ومهنئًا.
وأخص بالشكر الجزيل، بلا حدود، المك دفع الله عبد الله الريح، أحد أبنائه، فقد أزال عني لوعة فراق الأهل والعشيرة في تلك المناسبة، التي ما كان لها أن تكون سعيدة إلا بحضور الآباء والأهل في تلك الديار المباركة، وعلى رأسهم الأستاذ علي نايل محمد.
وأبت الأقدار إلا أن تصعد روح شقيقي في تلك الديار المؤمنة، مشاركة أهلها باطن الأرض، كما كانت فوقها.
أشكر أهلها جميعًا بمناسبة هذا التكريم، وأخص بالشكر المحتفى به، الأستاذ علي نايل محمد.
وإنني لأخشى ما أخشى أن يدمع قلبي حبًا ووفاءً، وأن تتكشف بواطن شكري وتقديري، فتغرق الحروف في ذكر مآثر هذا الرجل، الذي أتمنى أن يمنَّ الله عليه بالصحة والعافية، ليظل ذخرًا لوطنه الكبير.
وكيف لا، وبينهم رجال وقادة وملوك ومكوك، بقيادة الأب والأستاذ، القامة السامقة:
علي نايل محمد.
ولكل أهل حلفاية الملوك، وللأستاذ علي نايل محمد، خالص المحبة والتقدير.
وشكرًا.
عمر عبد الحميد خوجلي
أبو مشرقة
حلفاية الملوك
24 أغسطس 2026م