رأي وتحليل

ملف الوقود… هذا هو حل الازمات والانتهاء من الصفوف

ملف الوقود… هذا هو حل الازمات والانتهاء من الصفوف

 

بقلم : علي البشير المكادي

 

▪️ ​حين تضيق الحلقات وتتعقد تفاصيل المعيشة اليومية للمواطن السوداني، تتكشف عورات الإدارة الاقتصادية بلا رتوش. لم تعد أزمة الوقود مجرد شح في الإمدادات أو تقلبات عابرة في أسعار الصرف، بل أصبحت مظهراً صارخاً لغياب الحوكمة المؤسسية وتراجع دور الرقابة الحكومية الفاعلة. إن ما يجري في قطاع المحروقات يعكس فهماً منقوصاً لواجبات الدولة التنظيمية والرقابية.

▪️ ​تتجسد الأزمة الحقيقية في غياب تام للأرقام الرسمية المعلنة حول حجم البنية التحتية الخدمية. يفتقر القطاع إلى قاعدة بيانات شفافة تحدد بدقة عدد المحطات العاملة فعلياً في البلاد، فضلاً عن غياب المعايير العادلة في توزيع الحصص بين الشركات العاملة. هذا الإبهام الإداري يفتح باباً واسعاً أمام التكهنات والتلاعب، ويحول السلع الاستراتيجية إلى مادة خصبة للمضاربة غير المشروعة على حساب الاستقرار العام.

▪️ ​المسؤولية الإدارية والمالية في هذا الملف محسومة بطبيعتها، فهي تتوزع بوضوح بين وزارة الطاقة والتعدين وبنك السودان المركزي.و تقع على عاتق وزارة الطاقة مسؤولية الإشراف الإداري والفني الكامل، بينما يتكفل البنك المركزي بالجانب النقدي والاقتصادي. وحين يغيب التناغم المؤسسي بين هاتين الجهتين، تضيع حقوق المستهلك وتتكسر قواعد العدالة الكفيلة بضمان انسياب السلع دون أزمات مصطنعة.

▪️ ​تبدأ رحلة استيراد الوقود بقرارات سيادية ومالية مركزية، حيث يتولى بنك السودان سداد قيمة الواردات بالعملة الصعبة مباشرة من موارده، لا سيما وأن الشركات المستوردة لا تدفع بالدولار بل تُسدد بالجنيه السوداني للبنك. من هذا المنطلق، تصبح شحنة الوقود ملكاً خالصاً للمصلحة العامة، وتفقد الشركات المستوردة أي مبرر للتحكم المنفرد في الأسعار أو مسارات التوزيع تحت ذريعة تقلبات السوق الخارجي.​وهنا يأتي الدور المحوري لإدارات البترول الولائية في فرض العدالة الإدارية وتصحيح المسار.

▪️المفروض أن تتدخل هذه الإدارات بصورة مباشرة في التوزيع بناءً على عدد محطات الخدمة العاملة فعلياً في كل ولاية، لضمان إعطاء كل شركة حقها العادل. غير أن الواقع المرير يظهر أن إدارات البترول تحولت للأسف إلى مجرد جهات لجباية الأموال ودفع مرتبات موظفين بلا عمل حقيقي أو إنتاج يذكر.

▪️ ​في واقع العمل الميداني، يقف الموظف عاجزاً لا يعرف شيئاً عن مهامه الوظيفية الحقيقية؛ فلو سألته عن عدد المحطات العاملة بولايته لعجز عن الإجابة، لكنه يبرز خبيراً أول في تحصيل الرسوم المفروضة على المحطات وتعدادها بدقة متناهية. هذا الخلل الهيكلي يستوجب فوراً غربلة المفاهيم الإدارية وتحويل بوصلة هذه الجهات من جباية جافة إلى رقابة فاعلة ومتابعة لصيقة لحصص الإمداد.

▪️ و​تستوجب الضرورة الوطنية توزيع المواد المستوردة بالعدالة المطلقة على كافة شركات التوزيع ومختلف المحطات المنتشرة في ولايات السودان، قاطعة الطريق نهائياً أمام احتكار جهات أو شركات معينة سواء كانت تتبع للقطاع العام أو الخاص. فتكافؤ الفرص في تسلم الحصص يضمن وصول الوقود إلى كل شبر ويقضي على الجشع والمحسوبية التي تنهك الاقتصاد وتضاعف معاناتها اليومية.

▪️​من الناحية الاقتصادية البحتة، يظل سعر استيراد الشحنة ثابتاً منذ لحظة تفريغ الباخرة وحتى استنفاد كامل الكمية وتوزيعها على المستودعات. لا يوجد أي مسوغ اقتصادي لتعديل الأسعار طالما أن الباخرة قد أفرغت حمولتها بسعر صرف محدد مسبقاً من البنك المركزي. فربط الأسعار المحلية بالتغيرات اليومية المزعومة للدولار بعد دخول البضاعة يُعد استغلالاً غير مبرر وغياباً للضمير المهني والرقابي.

▪️ ​لردم الهوة السحيقة بين المواطن وأجهزة الدولة، لا بد من الشفافية المطلقة عبر مؤتمر صحفي دوري تعقده وزارة الطاقة. ينبغي أن تعلن الوزارة على رؤوس الأشهاد التكلفة الحقيقية لقيمة الباخرة بالجنيه السوداني للمواطن، وفي ذات التوقيت تعلن سعر البيع النهائي. ▪️هذه المكاشفة تعيد بناء جسور الثقة المقطوعة، وتغلق الأبواب في وجه شائعات السوق الأسود وغرف المضاربة المظلمة.

▪️​تكمن خلاصة الحل في هذا الطرح العملي الشامل لإنهاء الأزمات واجتثاث الصفوف من جذورها عبر ضبط التوزيع بعدالة تامة وإصلاح إدارات البترول..

▪️فحين تتجرد الأجهزة الرسمية لحماية المعيشة اليومية للمواطن وفق أسس دقيقة ورقابة صارمة، ستنحسر الأزمات المفتعلة وتفسح المجال لبناء اقتصاد وطني عادل ورصين يضع الإنسان في قمة أولوياته.

​

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى