رأي وتحليل

صرير القلم د. معاوية عبيد  ستون عاماً من الحوار… وستون حركة من الانشطار ماذا استفاد الشعب السوداني من موائد التفاوض؟

صرير القلم د. معاوية عبيد

ستون عاماً من الحوار… وستون حركة من الانشطار

ماذا استفاد الشعب السوداني من موائد التفاوض؟

 

منذ المائدة المستديرة التي التأم حولها السودانيون تُعد اتفاقية العام 1965م أول محاولة سودانية جادة للبحث عن السلام وحل مشكلة الجنوب برئاسة مدير جامعة الخرطوم د. النذير دفع الله وبمشاركة ممثلين للأحزاب الشمالية والجنوبية ومراقبة دول إفريقية وعربية و حتى الحوار الوطني الذي يجري تهيئة الأجواء الي انعقاده من خلال الاجتماعات و اللقاءات مع القوي الوطنية و الاعلاميين و السياسين و أصحاب الرأي التي نشاهدها و نسمعها هذه الايام ، تلك هي اكثر من سبعين عاما من الحوارات منذ أن نال السودان استقلاله و السودانيون يتنقلون بين الموائد كما يتنقل المريض بين الأطباء يبحثون عن وصفة تشفي الوطن من علله القديمة لكن المرض يعود في كل مرة بصورة أكثر قسوة ، موائد الحوار التي تتناثر بين العواصم والمنابر ظل فيها السودان يبحث عن كلمة سواء تجمع أبناءه بينما كانت البلاد تمضي في الاتجاه المعاكس حوارٌ يتبعه انقسام واتفاقٌ يعقبه خلاف وخلافٌ يتحول إلى حرب وحربٌ تنتهي إلى حوار جديد .

اكثر من سبعين عاماً كان يمكن أن يكون الحوار أعظم إنجاز سياسي للسودان لكنه في كثير من تجاربه تحول إلى مجرد محطة مؤقتة في طريق طويل من الصراع ، خلال هذه السبعين عاما كانت هنالك الكثير من الحوارات و الاتفاقيات و المحطات لقاءٍ بين السيد سيد أحمد الحسين الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي وبعض قادة الحركة الشعبية في بداية نوفمبر عام 1988 في أديس أبابا . اتفاقية الميرغني وجون قرنق المبرمة في 16 نوفمبر 1988م ،و اتفاقية أديس أبابا في العام 1972م التي وقعت بين النميري والحركة الشعبية جنوب السودان التي انتهت باتفاقية سلام، ثم تحولت لاحقاً إلى توتر ومواجهات مسلحة

اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي مهدت للاستفتاء وانفصال الجنوب عام 2011

مبادرة الحوار الوطني في العام (2014) التي أطلقها البشير لدعوة الحركات المسلحة للانضمام إلى الداخل والمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، لكن قوى المعارضة والحركات المسلحة قاطعتها وطالبت بمؤتمر تحضيري خارجي ، وأيضا في العام 2105م اطلق البشير حوار شاملا مع الحركات المسلحة و المعارضة وفي العام 2020م وقعت اتفاقية جوبا لسلام السودان بين الحكومة الانتقالية السودانية وعدد من الحركات والفصائل المسلحة، بهدف إنهاء النزاعات المسلحة وتحقيق السلام الشامل في البلاد.

كل تلك المحطات الكثيرة والأسماء و الموائد المستديرة ورعاة كثيرون ووثائق واتفاقيات أكثر لكن السؤال الذي ظل يطرح نفسه : ماذا تغير في حياته المواطن السوداني ؟ هل أصبح السودان أكثر أمناً؟

هل وجد الشعب السوداني خبزاً أرخص؟

هل عاد النازحون إلى قراهم؟

هل توقفت البنادق؟

هل أصبحت الدولة أكثر استقراراً؟

هل أصبح مستقبل أبنائه أكثر وضوحاً؟

أم أن المواطن ظل هو الطرف الوحيد الذي لم تتم دعوته إلى مائدة الحوار رغم أنه كان دائماً الطرف الذي يدفع ثمنه؟

هذه هي المفارقة الكبرى.

السياسيون يتحاورون، والمواطن يموت و السياسيون يتفاوضون والمواطن ينزح ،

السياسيون يوقعون الاتفاقيات والمواطن يبحث عن كسرة خبز ولا يعني ذلك أن الحوار خطأ على العكس لا يمكن بناء وطن من دون حوار لكن الحوار الذي لا ينتهي إلى دولة مستقرة وعدالة ومواطنة وأمن وسلام يتحول من وسيلة للحل إلى جزء من المشكلة والأكثر إثارة للقلق أن التجربة السودانية كثيراً ما شهدت ظاهرة الانشقاق عقب التفاوض. تجلس مجموعة مع الحكومة فتظهر مجموعة أخرى ترفض الاتفاق ثم تبحث عن سند خارجي ودعم لوجستي و للأسف تجده و تجد ارضا تضع فيها السلاح ليبدأ السودان و الشعب السوداني دورة جديدة من الحرب والتفاوض

وهنا يحق للسوداني أن يسأل:

لماذا لا ينتهي التمرد باتفاق؟ ولماذا يولد من رحم الاتفاق تمرد جديد؟

حسب قرأتي للاطماع الدولية علي أرض الخير أرض الانهار و أرض الذهب و الرجال أعتقد أنها نظرية المؤامرة علي السودان و خيراته وشعبه الطيب ، و لكنني ايضا اضع الحبل علي رقاب السياسين السودانيين ،فالسودانيين يتحملون نصيباً كبيراً من مسؤولية ما حدث بسبب صراعات النخب وضعف المشروع الوطني وتقديم المصالح الحزبية والجهوية على المصلحة العامة، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل المصالح الإقليمية والدولية التي ظلت حاضرة في المشهد السوداني و أثر الدعم السياسي والعسكري واللوجستي الذي تلقته الأطراف التي تمردت علي الدولة السودانية في مراحل متعددة .

السودان ليس جزيرة معزولة عن العالم وحين يصبح الحوار السوداني محتاجاً في كل مرة إلى عاصمة أجنبية ترعاه أو وسيط خارجي يضع أجندته أو دولة إقليمية تحتضن أحد أطرافه فإن السؤال يصبح مشروعاً حول قدرة السودانيين على إدارة خلافاتهم بأنفسهم .

نحن لا نرفض الوساطة الدولية ولكننا نرفض أن تتحول الوساطة إلى وصاية ولا نرفض الحوار مع الحركات المسلحة ولكننا نرفض أن يصبح السلاح جواز سفر إلى طاولة التفاوض وأن يصبح حمل البندقية طريقاً أقصر إلى السلطة من صندوق الانتخابات ، لقد آن للسودانيين أن يطرحوا سؤالاً مختلفاً :

لماذا لا نتحاور قبل أن نحمل السلاح؟

لماذا لا تكون المائدة السياسية هي البداية بدلاً من أن تكون نهاية الحرب؟

لماذا لا يكون الاختلاف السياسي داخل مؤسسات الدولة بدلاً من أن يتحول إلى مشروع عسكري يبحث عن حليف خارج الحدود؟

الشعب السودان يحتاج إلى ثقافة سياسية و اجتماعية و اقتصادية و تصالحية جديدة

ثقافة تجعل المعارضة حقاً والحوار واجباً والانتخابات وسيلة للتداول السلمي والسلاح ملكاً للدولة والجيش جيشاً للوطن والثروة حقاً لجميع السودانيين والمواطنة معياراً لا يعلو عليه معيار

لقد ملّ الشعب السوداني من الموائد التي تتغير فيها الوجوه بينما يبقى المشهد واحداً ، حوار ثم إنشطار ثم قتال ثم حوار و هكذا دواليك ….

لقد آن الأوان أن يكون ( الحوار من أجل الوطن) و ليس من اجل الاطماع الشخصية او القبلية أو السياسية ، إن الحوار الحقيقي هو أن يستطيع السوداني أن يعود إلى أرضه آمناً وأن يزرع حقله دون أن يخشى بندقية تمرد جديد وأن يرسل ابنه إلى المدرسة وأن يختلف مع جاره أو حاكمه دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب .

سبعين عاماً من الحوار يجب أن تكون قد علمتنا درساً واحداً على الأقل:

أن الوطن الذي لا يتسع لاختلاف أبنائه، سيتحول اختلاف أبنائه فيه إلى صراع على الوطن نفسه.

ولعل بيت الشعر الشهير يلخص المأساة كلها:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً

وإذا افترقن تكسرت آحادا

لقد افترقنا طويلاً، فتكسرت الرماح وتكسرت معها البلاد .

فهل آن لنا أن نجرب الوحدة؟

ليس وحدة الرأي فهذا مستحيل وإنما وحدة الهدف ، أن نختلف في الطريق لكن نتفق على الوطن ، أن نختلف في السياسة لكن لا نختلف على السودان ، أن نتحاور دون بندقية وأن نفاوض دون وصاية و أن نصنع سلامنا بأيدينا ، فبعد سبعين عاماً من الموائد ربما يكون السؤال الأكثر إيلاماً ليس: ماذا قال السياسيون؟

بل: ماذا بقي للمواطن من كل ما قالوا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى