رأي وتحليل

صرير القلم : د. معاوية عبيد  بينهما برزخ لا يبغيان… الزكاة بين ينابيع العطاء ونبع الخير وبركة المال

صرير القلم : د. معاوية عبيد

بينهما برزخ لا يبغيان… الزكاة بين ينابيع العطاء ونبع الخير وبركة المال

 

يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) ١٩_٢٠ سورة الرحمن.

آيتان تختصران مشهداً من مشاهد عظمة الخالق : بحرٌ عذب وبحرٌ مالح ، يلتقيان لكن لكل واحد منهما خصائصه وصفاته وبينهما برزخ يحول دون أن يطغى أحدهما على الآخر وحين تتأمل هذا المشهد القرآني ثم تمضي بك الأيام إلى ضفاف النيل في ولاية نهر النيل وإلى ساحل البحر الأحمر تشعر أن في الجغرافيا نفسها درساً آخر فهناك ماء عذب يشق طريقه في الأرض وهناك بحر مالح يمتد إلى الأفق وبينهما مسافات وخصائص ومذاقات مختلفة غير أن الاختلاف لا يمنع اللقاء ،ولعل أجمل ما في هذا اللقاء أن ما جمع الولايتين لم يكن الماء وإنما الزكاة .

في الدامر عند تدشين نفرة ( ينابيع العطاء ) بدا نهر النيل وكأنه يمنح المكان شيئاً من رمزيته، الماء الذي يمضي عذباً بين الناس كما تمضي أموال الزكاة من أيدي المكلفين إلى أيدي المستحقين فتروي حاجتهم وتفتح باب رزق وتعيد لأسرة قدرتها على الوقوف على قدميها أكثر من ثمانية و عشرين مليار جنيهاً وُجهت إلى برامج الحماية الاجتماعية والمشروعات المختلفة واستفادت منها أكثر من (٢٩١) ألف أسرة .

وهنا تكمن الفكرة الأعمق في تجربة نهر النيل: أن الزكاة لا ينبغي أن تُبقي الفقير فقيراً ينتظر موسماً بعد موسم وإنما تساعده على الخروج من دائرة الاحتياج إلى دائرة الكفاية ومن موقع المستفيد إلى موقع المنتج .

وقد عبّر والي نهر النيل د. محمد البدوي عبد الماجد عن هذا المعنى حين أكد أن الطموح هو أن يصبح عدد دافعي الزكاة أكبر من عدد مستقبليها وهي معادلة تختصر جوهر العمل الزكوي حين يتحول المال من مجرد سدٍّ للحاجة إلى صناعةٍ للاستغناء .

وعلى الضفة الأخرى كان البحر الأحمر يقول لغته الخاصة في بورتسودان حيث الماء مالح جاءت النفرة تحت عنوان مختلف لكنه يفضي إلى المعنى ذاته : ( الزكاة نبع للخير وبركة للمال ) .

هنا أيضا تدفق الزكاة من نبعها أكثر من أحدى و عشرين ملياراً و ستمائة مليون جنيهاً استهدفت أكثر من (٨٠) ألف أسرة، وتوزعت بين السلال الغذائية والعلاج والتأمين الصحي وكفالة الأيتام ودعم أسر الشهداء والمجهود الحربي والخدمات العامة والخلاوي إلى جانب المشروعات الإنتاجية وقوارب الصيد وإطلاقاً لسراح الغارمين، ودعماً لجرحى العمليات ومستشفى عثمان دقنة و جائزة البحر الاحمر للقرآن الكريم و برنامج العودة الي الديار و غيرها من أبواب المصارف الشرعية ،وكأن البحر المالح الذي لا يستطيع الإنسان أن يشرب ماءه كان يقول لنا إن القيمة ليست دائماً في طبيعة المورد، وإنما في ما يصنعه الإنسان من المورد حين يضعه في موضعه الصحيح .

وفي الولايتين كان هنالك تنافساً حميميا

و لم يكن تنافساً على المال ولا على الظهور ولا على أن تكون ولاية فوق ولاية وإنما في تعظيم شعيرة من شعائر الإسلام وفي الوصول إلى الفقير قبل أن يصل الفقر إليه .

تتنافس جميع الولايات في الجباية وفي توسيع قاعدة دافعي الزكاة وفي إحسان الوصول إلى المستحقين وفي ابتكار المشروعات التي تجعل الزكاة أكثر أثراً واستدامة ،لكنها في نهاية المطاف لا تتصارع ولا يطغى بعضها على بعض .

تلتقي ولا تختلط كما يلتقي البحران

نهر النيل بعذوبته والبحر الأحمر بملوحته و يلتقيان عند معنى واحد : أن في أموال الأغنياء حقاً معلوماً وأن لهذا الحق وجهاً إنسانياً واجتماعياً واقتصادياً يتجاوز حدود الولاية .

ومن هنا تبدو عبارة القرآن : ( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ) أكثر من مجرد صورة جمالية لمشهد طبيعي فهي تفتح باباً للتأمل في اختلاف الأشياء حين تتجاور وفي إمكانية أن يلتقي المختلفون في المقصد دون أن يفقد كل طرف خصائصه ، فالزكاة في نهر النيل لها ينابيعها وفي البحر الأحمر لها نبعها لكن الماء واحد في غايته : أن يروي ظمأ المحتاج .

وفي نهر النيل كان من اللافت أن ولاية كانت تتلقى الدعم الزكوي أصبحت تسهم في دعم غيرها، وفي البحر الأحمر تكرر مشهد التحول من ولاية مدعومة إلى ولاية قادرة على الإسهام في دعم المركز والولايات الأخرى وهذا ربما هو أجمل ما يمكن أن تصنعه الزكاة حين تؤدى كما ينبغي : أن تجعل الولاية التي كانت تنتظر العطاء قادرة على صناعة العطاء وأن تجعل المستفيد من المال قادراً على أن يصبح يوماً من صانعي المال وأهل الزكاة .

وهنا تتجاوز الزكاة حدود الصدقة المؤقتة إلى أفق أوسع : بناء الإنسان

ولذلك فإن ما شهدته الدامر وبورتسودان ليس مجرد نفرتين زكويتين في ولايتين مختلفتين إنهما صورتان لمعنى واحد، خرج من جغرافيا مختلفة وتحدث بلسانين مختلفين لكنه التقى عند الغاية،

في الدامر قالت (ينابيع العطاء )كلمتها وفي البحر الأحمر قال ( نبع للخير وبركة للمال) كلمته .

وهكذا تلتقي الزكاة بين ينابيع العطاء ونبع الخير وبركة المال وكأن المشهد كله يردد في صمت النيل وضجيج البحر :

( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى