رأي وتحليل

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة  الكهرباء أمن قومي

زاوية خاصة

 

نايلة علي محمد الخليفة

 

الكهرباء أمن قومي

 

لم يعد انقطاع الكهرباء في السودان عطلًا فنيًا مفاجئًا، بل أضحى عنوانًا لأزمة وطنية ممتدة ومتجذرة ، بدأت مع اندلاع الحرب وتفاقمت بفعل الاستهداف الممنهج للبنية التحتية لهذا القطاع الحيوي ، فما تعرضت له محطات التوليد ، وخطوط النقل ، وأبراج الكهرباء ، ومحطات التحويل ومراكز التحكم خلال السنوات الماضية ، جعل قطاع الكهرباء يخوض معركة يومية من أجل البقاء.

 

الحريق الذي اندلع في كوابل محطة سد مروي ، وأدى إلى تلف المغذيات الرئيسية لخطي مروي – المرخيات ومروي – عطبرة ، أعاد إلى الواجهة هشاشة الشبكة القومية ، وكشف حجم المخاطر المترتبة على الاعتماد الكبير على مصدر رئيسي للتوليد ومسارات نقل محدودة ، وأثبتت الحادثة أن أي خلل في نقطة واحدة يمكن أن ينعكس على حياة ملايين المواطنين ، ويشل قطاعات الإنتاج والخدمات في مساحة واسعة من البلاد.

 

ولا يمكن قراءة ما يحدث بمعزل عن الحرب ، فقد تعرض قطاع الكهرباء لاستهداف واسع ألحق أضرارًا جسيمة بمحطات التوليد والتحويل وخطوط النقل ، وتسبب في انقطاعات متكررة وحرمان ولايات كاملة من الإمداد الكهربائي ، وفي المقابل ظل المهندسون والفنيون يعملون في ظروف بالغة التعقيد ، بين إصلاح ما دمرته الحرب والاستجابة للأعطال الطارئة ، وسط تحديات أمنية وفنية ولوجستية ، دفع بعضهم حياته ثمنًا لأداء واجبه ، في جهد يستحق كل التقدير والاحترام.

 

لكن تقدير جهود العاملين لا ينبغي أن يحجب الحديث عن جانب آخر لا يقل أهمية ، وهو إدارة الأزمة ، فالمواطن لا يطالب بالمستحيل ، وإنما ينتظر إدارة تمتلك القدرة على التخطيط المسبق ، وسرعة الاستجابة ، والشفافية في إطلاع الرأي العام على حقيقة الأعطال ، مع وضع بدائل واضحة لتخفيف آثار القطوعات ، فإدارة الأزمات لا تقتصر على إصدار بيانات مقتضبة من الوزارة بعد وقوع المشكلة ، وإنما تقوم على الاستعداد ، وإدارة المخاطر، وسرعة اتخاذ القرار ، والمحافظة على ثقة المواطنين.

 

إذا كانت الدولة جادة في إنجاح برنامج العودة الطوعية للمواطنين إلى ديارهم بعد الحرب ، فإن ملف الكهرباء يجب أن يُنظر إليه بعين معركة الكرامة نفسها ، باعتباره أحد أهم مقومات الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية ، فلا عودة بلا خدمات ، ولا إعمار بلا كهرباء، ولا تنمية في ظل شبكة تنهار مع كل طارئ.

 

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تقتضي أن تُسند مسؤولية هذا القطاع إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والرؤية، وأن تكون معايير الاختيار مبنية على القدرة والإنجاز، لأن التحديات التي فرضتها الحرب أكبر من أن تُواجه بالأساليب التقليدية ، فالكهرباء ليست قطاعًا يحتمل التجريب ، بل مرفق سيادي يمس حياة كل مواطن ، ويحتاج إلى قيادة قادرة على الانتقال من معالجة الأعطال إلى بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة.

 

لقد أكدت حادثة مروي أن أمن الكهرباء جزء لا يتجزأ من الأمن القومي ، وأن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالطرق والجسور والمباني وحدها ، بل تبدأ أيضًا بإعادة بناء شبكة كهرباء قوية ، عبر تنويع مصادر التوليد ، وتوسيع شبكات النقل ، وإنشاء مسارات احتياطية تقلل من تأثير تعطل أي محطة أو خط رئيسي.

 

إن الأمل لا يزال معقودًا على الكفاءات السودانية التي أثبتت ، رغم الحرب وقلة الإمكانات ، قدرتها على إعادة الحياة إلى الشبكة الكهربائية كلما تعرضت للانهيار ، غير أن الأمل وحده لا يكفي ، فالسودان بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة لقطاع الكهرباء ، وإدارة أزمة ترتقي إلى حجم التحديات ، حتى لا يتحول كل عطل جديد إلى أزمة وطنية جديدة يدفع المواطن وحده ثمنها… لنا عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى