مقالات

حد القول بقلم :حسن السر   سورة المجادلة.. من شكوى امرأة إلى منهج لإنقاذ وطن

حد القول

بقلم :حسن السر

 

سورة المجادلة.. من شكوى امرأة إلى منهج لإنقاذ وطن

 

نزلت سورة المجادلة في واقعة تبدو فردية وبسيطة، امرأة واحدة هي خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلم زوجها لها،

 

لكن القرآن الكريم خلّد هذه الشكوى وجعلها سورة تُتلى إلى يوم القيامة، وافتتحها بقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}. هذه هي الرسالة الأولى للسورة: لا يوجد صوت ضعيف في ميزان الله، والسماء تسمع أنين المهمشين.

 

وهنا يكمن أول رابط بواقعنا السوداني اليوم.

 

في خضم الحرب والنزوح والتشظي، وانتهاكات مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية كم من امرأة سودانية اليوم هي “مجادِلة” جديدة؟ امرأة فقدت زوجها، أو نزحت بأطفالها، أو تقع تحت أسر المليشيات أو ضحية اغتصاب أو تبحث عن دواء، أو تطرق أبواب المؤسسات تشتكي ظلماً وقع عليها.

 

سورة المجادلة تعلمنا أن بناء الدولة لا يبدأ من القصور، بل من الإنصات لشكوى المرأة في طرف المدينة، وأن العدالة الحقيقية هي التي تسمع صوت أم نجلاء التي جاءت بطفلتها تعاني سوء التغذية، وصوت القابلة في محلية الدبة، وصوت الممرض في مركز صحي طرفي، ومعلمة تعمل في بيئة تعليمية صعبة.

 

عالجت السورة قضية كانت تهدد كيان الأسرة في الجاهلية وهي “الظهار” – أن يقول الرجل لزوجته أنتِ علي كحرمة أمي. فجاء الإسلام ليحرر المرأة من هذا الظلم الاجتماعي ويضع له كفارة وضوابط.

 

واليوم، الأسرة السودانية هي أكثر ما تضرر من الحرب التي فرضتها المليشيا ، تفككت الأسر بالنزوح، وكثر الطلاق والخلاف بسبب الضغوط الاقتصادية والنفسية.

 

تعلمنا السورة أن حماية الأسرة هي حماية للمجتمع كله، وأن الاستقرار لا يأتي بالشعارات الكبرى بل بترميم البيت الصغير أولاً، ودعم برامج الصحة النفسية والأمومة والتغذية التي تحافظ على هذا البيت متماسكاً.

 

خصصت السورة مساحة كبيرة لآداب المجالس و”التناجي” – النجوى السرية. قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}. ما أشبه هذا بواقعنا! مجالس كثيرة اليوم تدار فيها المؤامرات، وتنتشر فيها الشائعات التي تحزن الناس وتفتت النسيج الاجتماعي، سواء في المجالس السياسية أو في وسائل التواصل الاجتماعي.

نهت السورة عن التناجي بالإثم والعدوان، وأمرت بالتناجي بالبر والتقوى. وفي ظرفنا السوداني، نحن أحوج ما نكون إلى تحويل نجوانا من تخوين وتشكيك إلى تناجٍ بالبر: كيف نعيد الكهرباء؟ كيف نوفر الدواء؟ كيف نحفظ الكرامة؟

 

وتمضي السورة لتضع قاعدة ذهبية للحوكمة والمجتمع: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}. التفسح في المجلس ليس مجرد أدب، بل هو منهج لإدارة الدولة. أن نفسح لبعضنا في الرأي، وفي المورد، وفي القرار، وأن نترك الأنانية وحب الاستئثار. لو طبقنا “فافسحوا” في تنسيقنا الاتحادي الولائي، وفي توزيعنا للإمداد الدوائي، وفي إدارتنا للعمل الطوعي، لانفرجت كثير من أزماتنا.

 

وأخيراً، تختم السورة بتكريم العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}. في وقت انهارت فيه كثير من المؤسسات، بقي الكادر الصحي والمعلم وحامل العلم هو من يحمل الوطن على كتفيه، كما رأينا استمرار الخدمة الصحية ونجاح العملية التعليمية رغم الحرب.

 

آخر القول

سورة المجادلة ليست سورة خلاف زوجي، إنها دستور مصغر لدولة تريد أن تنهض بعد الانكسار. تبدأ بسماع شكوى امرأة، وتمر بإصلاح الأسرة، وتطهير المجالس من الشائعات، وتنتهي برفع قدر العلماء.

إن رسالتها للسودان اليوم واضحة: لن نعبر هذه المحنة إلا إذا سمعنا للمظلوم حتى ولو كان ضعيفاً، وحمينا الأسرة من التفكك، وأوقفنا نجوى الفتنة واستبدلناها بنجوى العمل والإعمار، وفتحنا المجالس لبعضنا البعض.

فالله الذي سمع صوت خولة فوق سبع سماوات، يسمع اليوم صوت كل أم سودانية تناجيه في مخيم أو مستشفى، وما علينا إلا أن نحول هذا السماع الإلهي إلى عدل إنساني على الأرض.

 

كسرة

 

كتابُ اللهِ نورٌ لا يَغيبُ

بهِ للسالكينَ هدىً يَطيبُ

 

إذا تُلِيَتْ آياتُهُ خشعتْ لها

قلوبٌ، وفاضَ الدمعُ وهو صَبيبُ

 

هو البحرُ لا يَفنى عجائبهُ

وفي أعماقهِ الدرُّ العجيبُ

 

شفاءٌ للصدورِ وطمأنينةٌ

وروحٌ للقلوبِ بهِ تطيبُ

 

*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى