هندسة الوعي (252): فخ التردد.. كيف نميز بين قرارات المصير وخيارات التجربة؟* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (252): فخ التردد.. كيف نميز بين قرارات المصير وخيارات التجربة؟*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا تفاصيل الحياة اليومية وديناميكيات العمل المؤسسي أمام اختبارات لا تنتهي في اتخاذ القرار. فحين نغرق في التفكير المفرط ونقضي الأسابيع الطويلة في دراسات معقدة واجتماعات متواصلة لإقرار خطوات بسيطة، فإننا نقع دون أن ندري في فخ قاتل يدمر سرعة الأداء ويستنزف الطاقة الذهنية، وهو ذات الفارق الجوهري الذي نبّه إليه المفكرون ورواد الإدارة حين قسموا القرارات في الحياة إلى نوعين رئيسيين: قرارات الباب ذي الاتجاه الواحد، وقرارات الباب ذي الاتجاهين.
إن التعامل مع تفاصيل حياتنا اليومية -كمثل تجربة نظام جديد، أو البدء في مسار معرفي، أو اختيار وسيلة عمل- وكأننا ننط من باب طيارة بمظلة لا رجعة فيها، هو خطأ استراتيجي فادح؛ فمعظم قراراتنا في الحقيقة هي أبواب ذات اتجاهين، يمكنك الدخول والتجربة، وحين لا تسير الأمور بالشكل الأمثل، تستطيع الالتفاف والعودة وتعديل مسارك في ثوانٍ معدودة دون خسائر تذكر. يعلمنا علم الأعصاب المعرفي وعلم النفس أن الدماغ البشري يعاني مما يُعرف بـ إرهاق القرار، فالفص الجبهي المسؤول عن الاختيار والتحليل طاقته محدودة للغاية تشبه بطارية الهاتف المحمول، ولأن الدماغ مصاب بطبيعته بما يُسمى “التحيز للسلبية”، فإن مركز الخوف يتعامل مع أي خطأ محتمل كأنه تهديد وجودي، مما يجعلنا نحرق تسعين بالمائة من طاقة عقولنا في التردد أمام قرارات صغيرة قابلة للتعديل، لنصل إلى نهاية اليوم ببطارية مفرغة تماماً حين نواجه القرارات المصيرية الحقيقية.
وقد وضع المنهج الإسلامي فرقاً واضحاً ودقيقاً بين الأمور المصيرية الكبرى التي تتطلب الأناة والتمهل والتدبر، وبين أمور الدنيا والتجارب القابلة للمراجعة والتعديل، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج رضي الله عنه لخصلتي الحلم والأناة في تدبير الأمور الكبرى، بينما وجّه الصحابة الكرام في قصة تلقيح النخل إلى مرونة التجربة الدنيوية حين قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”، في إشارة واضحة إلى ضرورة المبادرة والتجربة، وإمكانية تصحيح المسار دون تحويل التجارب الحياتية اليومية إلى أزمات معطلة ومكبّلة للحياة.
إن هندسة الوعي الحقيقية تقتضي منا أن نحرر عقولنا من رهبة التردد غير المبرر، وأن نوجه طاقة تفكيرنا نحو الأبواب المصيرية بثبات وبصيرة، مع منح أنفسنا مرونة المراجعة والتصحيح في تفاصيل الحياة اليومية.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واعٍ اليوم: كم من الوقت والفرص نضيعها يومياً ونحن نقف بتردد أمام أبواب بسيطة ذات اتجاهين، متخوفين من خوض تجربة قابلة للتعديل في أي لحظة؟
الإثنين 26 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول إدارة القرارات وتجاوز فخ التردد في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة وبناء الوعي المشترك