ثقافة وفنون

هندسة الوعي (246): فخ الانعكاس الوهمي وحقيقة الواقع* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (246): فخ الانعكاس الوهمي وحقيقة الواقع*
بقلم: د. ماهر عز الدين

تضعنا تجارب علم النفس وسلوكيات البشر اليومية أمام حقيقة مذهلة وخطيرة؛ وهي أن أكثر ما يفسد علاقتنا بالناس ويهز استقرارنا النفسي ليس ما يصدر عن الآخرين حقاً، بل هو ما ندور به في خلدنا ونصدقها عن أنفسنا. يروى في التجارب العلمية الشهيرة أن باحثين رسموا جرحاً مزيفاً على وجه شخص وطلبوا منه النظر في المرآة ليراه بوضوح، ثم أوهموه وهم يجرون له تعديلاً بسيطاً بأنهم يثبتون الجرح، بينما هم في الواقع أزالوه تماماً وعاد وجهه طبيعياً ونظيفاً كما كان. دخل الرجل وخرج من المقابلة ليؤكد أن الطرف الآخر كان ينظر إلى جرحه طوال الوقت ويعامله بجفاء، وتكررت التجربة مع عشرات الأشخاص ليخرج الجميع بذات الانطباع الوهمي، رغم أن وجوههم كانت سليمة ولم يكن هناك أي أثر لجرح أصلاً.
يعلمنا التخطيط السلوكي وعلم النفس الاجتماعي أن الإنسان إذا استقر في يقينه أنه ناقص أو غير مرغوب فيه أو محط عيب، فإنه سيقضي عمره كله يفسر تصرفات الناس من حوله بناءً على هذا الوهم الداخلي. لو تأخر صديق في الرد، لقلت إنه يتجاهلك عمداً، ولو التفت أحدهم عنك في الطريق، لحكمت بأنه لا يطيقك، ولو تلقيت نقداً عابراً في عملك، لظننت أنك فاشل تماماً. الحقيقة المرة أن الناس غالباً غارقون في همومهم ومشاكلهم الخاصة، ولا يركزون معنا بالسوء الذي نتخيله، لكننا نترجم ردود أفعالهم بعين الخوف والظن السيء لنثبت أنفسنا على باطل، فنبادر بالابتعاد أو الصمت قبل أن يرفضنا أحد، ثم نقول لأننا كنا على حق، وما كان أحد يرى فينا ذلك سوى أوهامنا.
وقد دلت التوجيهات القرآنية والسنة النبوية المطهرة على خطورة الظن السيء واتباع الوهم الذي يورث العداوة ويهدم تماسك النفوس؛ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله تحذيراً صريحاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في التوجيه النبوي الشريف: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث”. إن الإسلام يربط وعي المؤمن بالنقاء الداخلي وحسن الظن بالآخرين، ورفض العيش في سجون الأوهام والهواجس التي تقود إلى الخراب النفسي والاجتماعي.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح مطلق في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل الضغوط النفسية الهائلة والمعاناة اليومية التي تثقل كواهل أسرنا ومجتمعنا، قد يفسر البعض تصرفات أقرب الناس إليهم على أنها جفاء أو تخلي، بينما تكون الأسباب أبعد ما تكون عن ذلك وسط زحمة الهموم وقسوة الظروف. إن وعي المواطن السوداني المكافح يفرض عليه اليوم أن ينظف مرآة قلبه من الأفكار المسمومة، وألا يحمل تصرفات الناس أكثر مما تحتمل، فالتماسك المجتمعي يبدأ حين نحسن الظن ونتجاوز صغائر الهواجس.
إن إسقاط الأوهام الشخصية على واقع الآخرين هو العدو الخفي لراحة البال، والتحرر الحقيقي يبدأ حين ندرك أن نظرة الناس إلينا غالباً ما تكون انعكاساً لطريقتنا نحن في رؤية أنفسنا لا أكثر.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم: كم مرة ظلمنا من حولنا وفسرنا مواقفهم بالخطأ لأننا كنا نمررها عبر مرآة مشروخة من الأوهام والشكوك؟

الإثنين 19 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى