هندسة الوعي (238): فخ الانقسام وقانون البئر* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (238): فخ الانقسام وقانون البئر*
بقلم: د. ماهر عز الدين
تضعنا قوانين الصراع الخفي والتحكم الاستراتيجي أمام حقيقة سلوكية مرعبة ومجردة؛ وهي أن أعتى المعارك وأشرسها لا تُدار دائماً بالمواجهة المباشرة، بل تُدار بذكاء عبر هندسة البيئة وخلق الظروف التي تدفع الخصوم والأطراف لتدمير بعضهم بأنفسهم دون أن يتكبد المهندس الحقيقي أي عناء. تشبه هذه القاعدة ما يُروى في الحكايات الرمزية عن المزارع الذي ألقى بحيوان ميت في قعر بئر عميقة لتتجمع عليها الفئران بوفرة مؤقتة بدون تفكير مسرعة نحو الطعام. في البداية كان الأمر يبدو رائعاً وسهلاً، ولكن بعد أن انتهت الوليمة أدركت الفئران الحقيقة المرة؛ فجدران البئر عالية وشديدة الانحدار، وانغلق عليها باب النجاة حين اشتد بها الجوع، حتى تحولت الساحة الضيقة إلى مقبرة للصراع والتوحش، وانقلب بعضهم يأكل بعضاً، فلم يخرج منها إلا ناجٍ واحد تغيرت طبيعته بالكامل وأمن أكل بني جنسه، ليُخرجوه ويخدم أجندة من أوقعه في الفخ.
يعلمنا التخطيط السلوكي وعلم النفس الاجتماعي أن إيقاع الخصوم في فخ الانقسام والنزاع الداخلي هو أقدم سلاح لاستنزاف الطاقات وتدجين الإرادات. فحين ينشغل الأفراد أو المجموعات بصراعات جانبية على الفتات أو البقاء الطارئ، تفقد البوصلة اتجاهها الحقيقي، وينساق الجميع وراء الغرائز الدفاعية البدائية متناسين من وضعهم في أصل المأزق. إن أصحاب المصالح الضيقة والجهات المتربصة يعتمدون كلياً على هذا التكتيك؛ إذ يكتفون بمراقبة الصراع من القمة وهم يديرون خيوط اللعبة، تاركين من هم في الأسفل يتقاتلون وينهشون بعضهم حتى الرمق الأخير.
وقد حذرتنا التوجيهات القرآنية والسنة النبوية المطهرة أشد التحذير من مغبة التنازع والفرقة التي تؤدي إلى ضياع القوة وفشل الإرادة؛ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في التوجيه النبوي الشريف: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). إن التمسك بوحدة الصف والاعتصام بحبل الله هما الحصن المنيع الذي يحبط مخططات المتربصين ويحفظ طاقات الأمة من الهدر.
إن الوعي البصير يقتضي منا رفض الاستدراج إلى هذا المستنقع المظلم، وإدراك أن توحيد الصفوف وتفويت الفرصة على صناع الفتن هما السبيل الوحيد للنجاة. فالإنسان الحر والمجتمع الواعي لا يقبلان أن يكونا أدوات رخيصة في معارك يديرها الآخرون من برجهم العاجي، بل يسعيان دائماً لتجاوز الخلافات السطحية واستعادة قيم التضامن والتعاضد.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح مطلق في تفاصيل واقعنا السوداني المعاش؛ ففي ظل التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تحيط ببلادنا، تبرز محاولات كثيرة لجر المجتمع نحو مربعات الانقسام والتشظي والصراع البيني على الموارد والخدمات. إن وعي المواطن السوداني العامل والمكافح يفرض عليه اليوم أن يدرك قواعد هذه اللعبة الخفية، وأن يرفض أن يكون ضحية في بئر الصراع الوهمي، ليظل صامداً مترابط الإرادة مع أبناء وطنه.
إن فهم آليات الفخ والتصدي لثقافة الانقسام هما الدرع الحقيقي الذي يحمي وعينا ويصون تماسك مجتمعنا ومستقبل أجيالنا.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل ندرك خفايا اللعبة ونرفض التقاتل في فخ الانقسام أم نستمر في الاستهلاك العبثي لطاقتنا لخدمة أهداف من يراقبوننا من بعيد؟
الإثنين 12 أكتوبر 2026م
شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة