ثقافة وفنون

هندسة الوعي (222): فن إسكات التفكير المفرط بتفريغ الذاكرة العشوائية*

*هندسة الوعي (222): فن إسكات التفكير المفرط بتفريغ الذاكرة العشوائية*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

ذكر الإمام الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء عن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري أنه كان يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه نحو عشرين مرة يوقد السراج في كل مرة لكتابة وتدوين الخاطرة أو الحديث في ورقة ثم يطفئ السراج ويعود للنوم. لم يكن البخاري يترك الخواطر العالقة ترن في ذهنه لتسرق نومه وصفاء قلبه بل كان يقيدها فورا في الحين واللحظة ليستريح ذهنه.

وفي سنة ألف وتسعمئة وسبع وعشرين كانت عالمة النفس الروسية بلومة زايجارنيك تجلس في مطعم في مدينة فيينا فلاحظت سلوكا غريبا من أحد الجرسونات؛ كان ذلك الرجل يحفظ طلبات الموائد المعقدة لعشرات الزبائن بدقة استثنائية دون أن يكتب كلمة واحدة في نوتة، لكن الصدمة الحقيقية حدثت عندما سألته عن نفس الطلبات بعدما دفع الزبائن الحساب وغادروا بدقيقتين فقط فنظر إليها بذهول ولم يتذكر تفصيلا واحدا وكأن تلك المعلومات مسحت بالكامل من ذاكرته.

هذا الأمر يشبه تماما ما يحدث عندما تفتح على حاسوبك عشرات الصفحات في المتصفح في نفس اللحظة؛ سيبدأ الجهاز بالتباطؤ والتوقف عن الاستجابة ويعلو صوت مروحة التبريد وينتهي الأمر باستنزاف طاقته رغم أن كل صفحة على حدة تبدو العادية. هذا هو ما يحدث في الذاكرة العشوائية لعقلك عندما تترك المهام معلقة والمواعيد غير المحددة والأفكار الملحة غير المكتوبة؛ يظل عقلك يشغل كل تلك الملفات في الخلفية في صمت مما يسبب استنزافا صامتا لطاقتك العصبية فتجد نفسك عاجزا عن التركيز في صفحة كتاب واحدة وتنفد طاقتك دون بذل مجهود حقيقي.

في علم النفس المعرفي يطلق على هذه الظاهرة اسم تأثير زايجارنيك وهي مرتبطة بمفهوم الحمل المعرفي. إن العقل يكره النهايات المفتوحة ويتعامل مع أي مهمة غير مكتملة كأنها خطر دائم فيظل الجهاز العصبي يرسل لك تذكيرا قهريا مرارا خوفا من النسيان.

الحل البيولوجي هنا لا يكمن في مقاومة الفكرة بل في كسر هذه الحلقة بتفريغها من رأسك إلى وسيط مادي؛ فعندما تدون الفكرة على الورق يرسل العقل إشارة أمان للجهاز العصبي بأن المعلومة أصبحت محفوظة في مكان آمن ولا يوجد خطر من نسيانها فيتم إغلاق الملف المفتوح ويسكت التنبيه فورا.

ويتجلى هذا الفهم بوضوح في واقعنا السوداني المعاش؛ فالمواطن الذي يحمل في ذهنه مسؤوليات يومية متداخلة من توفير التزامات الأسرة وتفقد الأهل ومتابعة مواعيد المعاملات الخدمية والمستلزمات المعيشية يجد نفسه تحت ضغط ذهني مستمر يؤدي إلى الشتات والنسيان. لكن حين يقيد المرء هذه المهام في قائمة يومية على الورق يتخلص الذهن من عناء التفكير المفرط ويتفرغ العقل للتنفيذ الهادئ والإنتاج المثمر.

يبقى التساؤل المفتوح أمام كل عقل واع اليوم هل نترك عقولنا مزدحمة بالملفات المفتوحة التي تستنزف طاقتنا أم نعتمد مهارة التدوين وتفريغ الذاكرة لننعم بالصفاء والقدرة على الإنجاز

 

السبت 26 سبتمبر 2026م

شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى