ثقافة وفنون

*هندسة الوعي (214): التعليم الحكومي.. عودة الروح وإعادة البناء* بقلم: د. ماهر عز الدين

*هندسة الوعي (214): التعليم الحكومي.. عودة الروح وإعادة البناء*

بقلم: د. ماهر عز الدين

 

تضعنا الحقائق الجليلة ومقتضيات المرحلة بعد الحروب والأزمات أمام أولوية لا تعلوها قضية، ألا وهي التعليم، فهو الملاذ الأخير لحماية عقول الأجيال، والجدار الصلب الذي تتهاوى عليه محاولات تجريف الهوية الوطنية. ومن هذا المنطلق تأتي قضية الشهادة السودانية وتحديات التعليم الحكومي والخاص لتضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.

لقد كشف النقاش المستفيض الذي شهدته شاشة التلفزيون القومي يوم أمس الأول – برعاية ومشاركة مقدرة من منظمة أساتذة الجامعات السودانية ماجسو وقيادات من وزارة التربية والتعليم وأسر المدارس والخبراء – عن حقيقة جوهرية، وهي أن التعليم العام الحكومي هو الأصل والأساس لأي نظام تعليمي مستدام، وهو الضامن الحقيقي لإتاحة الفرص العادلة لأبناء الشعب السوداني كافة، بمختلف شرائحهم وظروفهم.

لقد أثبتت التجربة الميدانية والواقع الملموس أن المدارس الحكومية، رغم ما تعرضت له من أضرار وتحديات بالغة، تجسد بيئة تربوية تمتلك مقومات بيئية وتخطيطية وأبعاداً هندسية ومساحات للأنشطة الصفية واللاصفية لا تتوفر في كثير من المباني المؤجرة. كما أنها تخرج سنوياً كفاءات متفوقة بفضل جهود معلميها الكبار وإشرافها التربوي الممتد. لكن هذا التميز المتجذر يحتاج اليوم إلى إرادة رسمية وسياسات دولة حازمة تعيد للتعليم الحكومي سيرته الأولى ودوره الريادي.

إن النهوض بالتعليم الحكومي يتطلب من الدولة تدخلاً شاملاً ومباشراً يبدأ برصد ميزانيات مقدرة لإعادة إعمار وتأهيل البنية التحتية والبيئة المدرسية، وتوفير الإجلاس والمستلزمات التقنية والمائية والكهربائية بصورة تليق بكرامة الطالب والمعلم. كما يستدعي ذلك بالضرورة إعادة النظر في الهيكل الراتبي وسلم أجور المعلمين بالقطاع العام وتوفير حوافز سكنية وصحية مجزية تحفظ لهم كرامتهم المهنية وتستبق الكفاءات. إن تحسين هذه الظروف المادية والمعنوية هو الكفيل بجعل مهنة التعليم خياراً جاذباً ومفضلاً لنخب الخريجين بدلاً من كونها ملاذاً أخيراً، مما ينعكس تلقائياً على رفع نسب القبول بكليات التربية وتطوير مدخلات التعليم، مع ضرورة ضبط معايير الاختيار وتطبيق برامج تدريب مستمرة ونظام تقييم دوري صارم يضمن الجودة والمحاسبة. ويُكتمل هذا المسار بالاستفادة من مرونة القطاع الخاص ودعمه اللوجستي عبر صيغة تكامل ذكي يضبط الأطر التنافسية والإعلامية لضمان العدالة وتكامل الأدوار دون إجحاف.

وهنا تبرز الأدوار الطليعية للمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الوطنية، وفي مقدمتها منظمة أساتذة الجامعات السودانية ماجسو عبر مجالسها المتخصصة وفي مقدمتها مجلس التربية والتعليم. لقد أثبتت ماجسو أن الأستاذ الجامعي والخبراء الأكاديميين ليسوا في أبراج عاجية، بل هم في قلب الهم العام، يقدمون الرؤى العلمية، ويقودون مبادرات الإسناد الأكاديمي لطلاب الشهادة السودانية في مناطق النزوح ودول اللجوء، ويضعون خبراتهم التراكمية تحت تصرف الدولة والمجتمع لبناء خارطة طريق تتجاوز آثار الحرب.

ولا يفوتنا في هذا السياق، ونحن نتحدث عن إعادة الروح للتعليم الحكومي واستدامة العملية التعليمية، أن نشيد إشادة مستحقة بالدور الوطني الكبير والتاريخي الذي يقوده معالي وزير التعليم والتربية الوطنية، الدكتور تهامي الزين حجر.

لقد تسلم د. التهامي قيادة دفة الوزارة في واحد من أحرج الظروف وأعقدها في تاريخ البلاد، حيث تستنزف الحرب الضروس موارد الدولة وتضع البيئة التعليمية والبنية التحتية في محك حقيقي. ومع ذلك، استطاع بحنكة واقتدار، وإرادة سديدة، أن يعبر بالعملية التعليمية إلى بر الأمان، فحافظ على قيام امتحانات الشهادة السودانية وإعلان نتائجها، واستوعب الطلاب في مراكز النزوح ودول اللجوء، مبرهناً على أن مؤسسات الدولة التعليمية قادرة على الصمود والإنتاج ومغالبة الصعاب مهما بلغت التضحيات وقلت الإمكانيات.

إن هندسة الوعي في هذه المرحلة تتطلب منا جميعاً – دولة، ومنظمات، ومجتمعات – التكاتف والالتفاف حول المدرسة الحكومية. فالتعليم ليس مجرد تحصيل أكاديمي أو حصد لنسب النجاح، بل هو صناعة للإنسان السوداني وإعادة لبناء الدولة على قواعد من العلم، والعدالة، والوعي الراسخ.

الأربعاء 16 سبتمبر 2026م شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى