هندسة الوعي 206: لكيلا تأسوا.. فلسفة التعامل مع الفقد والمكتسبات* بقلم: د. ماهر عزالدين

*هندسة الوعي 206: لكيلا تأسوا.. فلسفة التعامل مع الفقد والمكتسبات*
بقلم: د. ماهر عزالدين
تستوقفني آية محورية تضع دستوراً نفسياً وعملياً شاملاً لإدارة المشاعر الإنسانية عند تحول الظروف: لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. إن هذه الآية لا تدعو إلى إلغاء المشاعر البشرية من الحزن أو الفرح، بل تضع إطاراً لضبط التوازن النفسي والتحرر من أسر الصدمات أو طغيان المظاهر المادية.
تأمل البناء القرآني؛ لقد ربط الحق سبحانه وتعالى هذا المفهوم بحقيقة القدر الجاري في الكون، ليفكك حالة التعلق الشديد بما يفقده المرء أو ما يكسبه. الأسى المذموم هو ذلك الحزن الذي يستنزف طاقة الإنسان ويعطله عن النهوض والعمل، والفرح المذموم هو الفرح المتكبر الذي ينسي المرء فضل الله ويشعره بالاستغناء. القرآن هنا يحرر العقل من التذبذب بين صدمة الفقد وغرور الامتلاك، ليعيد الإنسان إلى مساحة التوازن والفاعلية.
وعندما نسقط هذا الوعي على واقعنا السوداني المعاصر، حيث عايش الناس ولا يزالون حالات واسعة من الفقد؛ سواء كان فقد الممتلكات والديار، أو فقد الاستقرار والأعمال، نجد أننا أحوج ما نكون إلى استيعاب هذه المنظومة. إن الاستغراق في الأسى على ما فات لا يعيد مفقوداً ولن يرمم داراً، بل يضاعف وطأة الأزمة على الأرواح. وفي المقابل، فإن من فتحت له الدنيا أبواباً وسط الأزمات مطالب بعدم الطغيان أو نسيان إخوانه، بل بجعل ما آتاه الله سبيلاً لخدمة مجتمعه والتكافل معه.
إن الوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك المواطن الصابر أن المتغيرات المادية هي جزء من تقلبات الحياة الأكبر، وأن القيمة الحقيقية تكمن في قوة النفس وثبات المبدأ والقدرة على البدء من جديد. فالذي يفقد سبباً مادياً لا يفقد معية الله، والذي يكسب ميزة مادية لا يملك ضمان بقائها إلا بالشكر والعمل النافع.
إننا بحاجة اليوم إلى غرس هذا التوازن الفكري في نفوس أسرنا ومجتمعاتنا؛ لننتقل من شوط التحسر والانكسار على الماضي إلى شوط البناء والمبادرة، متسلحين باليقين ومتطلعين إلى غد أفضل بأيدينا وعزيمتنا.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من يصارع مشاعر الفقد في واقعنا اليوم: هل نجعل مما فاتنا عائقاً يكبل حاضرنا، أم نتخذه وقوداً لرحلة تعاف جديدة تثبت أقدامنا في المستقبَل؟
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026م شاركونا آراءكم وتأملاتكم حول موضوع اليوم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.