مقالات

هندسة الوعي (201): التحرر من عبودية النتائج وفلسفة السعي* بقلم: د. ماهر عزالدين

*هندسة الوعي (201): التحرر من عبودية النتائج وفلسفة السعي*
بقلم: د. ماهر عزالدين

من أعجب الأسرار التي تقررها المنظومة القرآنية في بناء الوعي الإنساني، أن الله سبحانه وتعالى لا يربط قيمة الإنسان ولا قدره بالنتائج النهائية التي يصل إليها، بل يربطها بالجهد والسعي المبذول. حين نتأمل الخطاب الإلهي، نجد أنه لم يقل وأن ليس للإنسان إلا ما نجح فيه، ولم يقل وقل أنجزوا، بل قال بوضوح حاسم: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، وقال: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى.
القرآن هنا يعيد توجيه نظرك ببراعة نحو ما تملكه وتستطيعه، لا نحو ما لا تملك زمامه. أنت تملك بذل العمل والاجتهاد، بينما النتيجة تخضع لتدابير وظروف خارجة عن إرادتك التامة؛ فقد تبذل كل ما في وسعك، ثم تتغير الظروف، أو تتباطأ الثمرة، أو تتداخل معطيات لم تكن في الحسبان. لهذا السبب كان ميزان التقييم الإلهي حكيما؛ يحاسب ويقدر على السعي الصادق، لا على المخرجات التي قد تحول بينك وبينها تحولات الواقع.
ونحن في واقعنا السوداني المعاصر نرى هذا المعنى جليا؛ المزارع في الجزيرة أو الشمالية الذي يحرث أرضه ويزرع بذرتها بكل إخلاص، ثم تباغته الآفات أو تقلبات مناخية أو ظروف استثنائية تحرمه محصول الموسم، لم يضع تعبه عند الله، بل كتب له أجر السعي كاملا لأنه أدى ما عليه. والمبادِر أو المعلم الذي يسعى لتأسيس مشروع خدمي أو تعليمي وسط الظروف الضاغطة، ثم يتعثر مشروعه لظروف خارجة عن إرادتك، لم يكن فاشلا بأي حال؛ لأن الله حرر العقل البشري من عبودية النتائج، وربطه بصدق العمل ونبل المقصد.
قد يبني الإنسان مشروعا أو يغرس فكرة، ثم يرحل أو تتوقف خططه، فيأتي من بعده من يكملها وتكتب لها النجاة، فيكون للأول أجر التأسيس والبداءة وإن لم يشهد لحظات القطاف. هذا الفهم يمنح النفس طمأنينة عالية؛ فلا تجعل قيمتك محصورة في حجم ما حصلت عليه فعليا، بل في حجم ما قدمته وبذلته بصدق. قد تتأخر الثمرة أو تتغير ملامحها في الدنيا، لكن السعي الصادق لا يضيع أثره ولا يتأخر أجره عند رب العباد.
إن تحرير المؤسسات والأفراد من عقدة التقويم المادي الصرف للنتائج، والانتقال إلى تقدير جودة السعي والمحاولة، هو الذي يصنع إرادة الصمود والاستمرار رغم صعوبة المعطيات.
يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من يخشى التعثر: هل نقيم قيمة جهودنا بما يتحقق في الواقع فورا، أم بمدى إخلاصنا وصدقنا في السعي والمحاولة؟
الخميس 27 أغسطس 2026م
شاركونا آراءكم وانطباعاتكم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى