مقالات

هندسة الوعي (198): فلسفة الدفع بالأحسن وضبط الانفعال الإنساني* بقلم: د. ماهر عزالدين

*هندسة الوعي (198): فلسفة الدفع بالأحسن وضبط الانفعال الإنساني*

بقلم: د. ماهر عزالدين

 

​يستطيع كل إنسان أن يرد على الإساءة بمثلها، ويمتلك الجميع القدرة على الانتقام أو الثأر لمشاعرهم متى ما أتيحت لهم القوة، لكن التحدي الفكري والسلوكي الحقيقي يرتقي إلى مسرح أعمق حين يدعونا القرآن الكريم إلى منهج أشد صعوبة وأعلى مرتبة: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. إنها الدعوة لمقابلة الأذى بالخير، وعدم السماح لإساءة الآخرين بأن تعيد تشكيل أخلاقك أو تهبط بوعيك السلوكي.

​تأتي التفرقة الحاسمة في قوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا}. لم يقل الحق سبحانه “إلا الأقوياء” ولا “إلا الحكماء”، بل ربط الخصلة بالصبر تحديداً. والسبب في ذلك أن النفس البشرية عند تعرضها للإساءة تميل بطبعها إلى الرد الفوري، والغضب يطالب بالانتقام، والكبرياء يرفض التسامح. لا يستطيع المرء ضبط حركة نفسه في تلك اللحظة الحرجة إلا إذا امتلك ملكة الصبر التي تلجم الانفعال وتزن العواقب.

​ثم تختم الآية بتعظيم هذا الموقف: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. امتلاك هذه السيطرة على الذات ليس مجرد مهارة عادية يكتسبها أي شخص، بل هو رزق توفيقي وفضل كريم. والسبب في كونها “حظاً عظيماً” يظهر مباشرة في الثمرة الناجمة عنها: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. هذا المسار يعيد صياغة العلاقات؛ إذ يحول العداوة إلى مودة، ويذيب الخصومة لتتحول إلى تقارب، مكسّراً بذلك دائرة الكراهية بدلاً من تغذيتها واشتعالها.

​في إدارة العلاقات والمؤسسات، يمثل “الدفع بالأحسن” قمة النضج القيادي والوعي الإنساني. إنه انتقال من ردود الأفعال الصبيانية العشوائية إلى الفعل المنظم الراشد الذي يمتلك القدرة على احتواء الخلاف وتحويل المشاحنات إلى مساحات للبناء. إن الذي يرفض الانجرار خلف معارك الانتقام الصغيرة هو وحده من يحمي وقته وطاقته الذهنية لتحقيق الغايات الأكبر.

​يبقى التساؤل المفتوح أمام كل من يواجه موقفاً يتحدى صبره: هل نترك انفعالات اللحظة تقود قراراتنا وتزيد اشتعال الخصومات، أم نتمسك بالحظ العظيم ونعيد هندسة المواقف برزانة وحكمة؟

​الاثنين 24 أغسطس 2026م

شاركونا آراءكم وانطباعاتكم في التعليقات، وساهموا في إعادة النشر لتعميم الفائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى