مدارات للناس هاشم عمر اللحو…صوت من عمق الارض

مدارات للناس
هاشم عمر
اللحو…صوت من عمق الارض
في تاريخ الغناء السوداني، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تتحوّل من مجرد أصوات إلى ذاكرة جمعية، ومن مجرد أداء إلى وجدانٍ حيّ. من بين هؤلاء يقف الفنان الراحل علي إبراهيم اللحو، الرجل الذي خرج صوته من عمق الأرض، من رائحة الطين بعد المطر، ومن هدير النيل وهو يمر بمحاذاة القرى التي لا تُنجب الأصوات كما تُنجب الناس، بل تُنبتها كما تُنبت السنابل.
وُلد اللحو في قرية مويس جنوب غرب شندي، حيث تتداخل الطبيعة مع الإيقاع اليومي للحياة. هناك تشكّل صوته الأول، خجولًا ثم قويًا، حتى صار جزءًا من نسيج المكان. التحق لاحقًا بقوة دفاع السودان، لكن الغناء ظل رفيقه الدائم، ينساب في الليالي العسكرية الطويلة كبلسم يخفف تعب الجنود ويمنحهم شيئًا من الدفء.
بعد التقاعد، انتقل إلى حي بري بالخرطوم، وهناك اكتملت ملامح شخصيته الفنية. لعب كرة القدم في فريق بري، وشارك الناس أفراحهم ومناسباتهم، حتى صار واحدًا من رموز الحي. في تلك الفترة، التقى بالشاعر الصادق الياس، فكانت تلك الصداقة واحدة من أجمل الثنائيات في تاريخ الغناء السوداني. كتب الصادق، وغنّى اللحو، فخرجت أغنيات خالدة مثل السمحة نوارة فريقنا، جبار الكسور، الوز عوام، وغيرها.
وغنّى أيضًا للشاعر الحلنقي رائعة الطير الخداري، التي أصبحت إحدى أيقونات دوحة الغناء السوداني، وواحدة من الأعمال التي رسّخت صوته في ذاكرة المستمعين.
في أحد اللقاءات التلفزيونية، بلغ الإعلامي حسين خوجلي درجة عالية من السلطنة وهو يستمع إلى اللحو، فصاح قائلاً:
“إنت يا اللحو ما بتغنّي… إنت بتقوقي!”
تشبيه لم يأتِ من فراغ؛ فقد كان صوت اللحو يحمل تطابقًا مدهشًا مع صوت القماري، ذلك الطائر الذي يملأ صباحات السودان بنغمة لا تُخطئها الأذن. كان صوته ناعمًا حين يريد، قويًا حين يلزم، وصادقًا في كل حالاته.
كان أول لقاء مباشر معه في عرس المحامي عوض جوهر بنادي الضباط في الديوم الشرقية في تسعينات القرن الماضي. كان المشهد مدهشًا:
اللحو على المسرح لا يغنّي فقط، بل يمشي كما يمشي الفارس في ساحة النزال.
قدّلته الشهيرة جزء من الأغنية، ورقصته وهو يمسك بالمايك جزء من شخصيته