صرير القلم : د. معاوية عبيد قدح الميارم.. من مائدة الكرم في الفاشر إلى ذاكرة المجزرة حين تختبئ المأساة تحت ركام مدينةٍ عُرفت بإكرام الضيف وصون الجار

صرير القلم : د. معاوية عبيد
قدح الميارم.. من مائدة الكرم في الفاشر إلى ذاكرة المجزرة
حين تختبئ المأساة تحت ركام مدينةٍ عُرفت بإكرام الضيف وصون الجار
يحتل قدح الميارم مكانةً خاصة في التراث الاجتماعي بإقليم دارفور فهو من الأطباق الشعبية العريقة التي تتجاوز قيمتها حدود الطعام إلى دلالات الكرم والاحتفاء بالضيف وتبرز مكانته بصورة خاصة في مناسبات الزواج حيث يُقدَّم للعريس وأصحابه في مشهدٍ تختلط فيه البهجة بالمحبة وتتنافس فيه النساء في إظهار مهاراتهن في إعداد الطعام وتقديمه،
ومن هنا ارتبط لقب (الميرم) بالمرأة التي تبلغ درجةً عالية من المهارة في إعداد هذا الطبق بما يعكسه من معرفةٍ بأصول الضيافة وفنون الطهي الموروثة .
ويُصنع القدح عادةً من جذع شجرة ويُطلى من الخارج باللون الأسود وقد يُزيَّن بالنقوش ثم يوضع داخل سلة من السعف تُعرف بـ (المندولة) تتوشح بالألوان والخرز المعروف محلياً بـ(السكسك) فيبدو المشهد وكأنه لوحةٌ من التراث الدارفوري الأصيل،
أما ما بداخله فحكاية أخرى من حكايات السخاء إذ تُرص قطع العصيدة المعروفة محلياً ( بـالدامرقا) أو (جير ) وتُخفى بينها دجاجة محمرة وأوعية صغيرة تحتوي على السمن البلدي الخالص وعسل النحل وقد تُضاف إليها الحلوى أو البسكويت أو البيض البلدي المسلوق، ثم تُغطّى المكونات بطبقة أخرى من العصيدة ويُصب حولها ملاح التقلية الشهير، وحين يجتمع العريس وأصحابه حول القدح يبدأون تناول العصيدة شيئاً فشيئاً حتى تنكشف لهم المفاجآت المخبأة في جوفه فتتعالى صيحات الفرح وتنبعث الضحكات وتتحول المائدة إلى احتفالٍ بالفرح والمشاركة ،وعندما يُعاد القدح إلى أهله لا يعود فارغاً من المعنى إذ تُقدَّم المبالغ المالية تقديراً لمن أعدّوه واعترافاً بما بذلوه من جهدٍ وكرم، هكذا هو قدح الميارم طعامٌ يحمل في داخله أكثر من مذاق ويحفظ في ذاكرته أكثر من حكاية ويختصر في تفاصيله فلسفة مجتمعٍ يرى في إكرام الضيف شرفاً وفي الكرم إرثاً لا يُساوَم عليه .
ولم تكن هذه الروح الكريمة وقفاً على موائد الأفراح وحدها بل كانت جزءاً أصيلاً من شخصية الفاشر وأهلها تلك المدينة التي احتضنت قبائل السودان ومكوناته الاجتماعية المختلفة وفتحت أبوابها للقادمين إليها فصنعت عبر تاريخها صورةً من صور التعايش والتداخل الثقافي والاجتماعي .
الفاشر مدينة السلطان لم تكن مجرد حاضرة لإقليم دارفور بل كانت منارةً للعلم والتاريخ وملتقىً للتجارة والثقافة ومجتمعاً تتجاور فيه الأعراق والقبائل وتجمع بين أهله وشائج الدين والجوار والمصاهرة ،وقد ارتبط تاريخها في الذاكرة السودانية بقيمٍ من البذل والكرم وبأدوارٍ اجتماعية ودينية تجاوزت حدود المدينة إلى فضاءات أوسع من الوطن ،ولذلك حين نستحضر قدح الميارم فإننا لا نستحضر طبقاً تراثياً فحسب بل نستعيد صورة المرأة الدارفورية وهي تُعدّ الطعام بمحبة وصورة الرجل وهو يفتح داره للضيف وصورة المجتمع وهو يتقاسم القليل والكثير ويجعل من المائدة مساحةً للتعارف والتآلف ،وفي وصف النساء اللاتي عُرفن بإكرام الضيف تقول أبياتٌ من الشعر العربي :
لِلَّائِي يُكْرِمْنَ الضِّيفَانَ مَنْزِلَةٌ
عِنْدَ الكِرَامِ وَفِي التَّارِيخِ مَذْكُورُ
يَجُدْنَ بِالبِشْرِ قَبْلَ الزَّادِ مَكْرُمَةً
وَكُلُّ بَيْتٍ بِحُسْنِ الجُودِ مَعْمُورُ
إنها معانٍ تليق بالمرأة التي تستقبل ضيفها بوجهٍ بشوش قبل أن تقدّم إليه الطعام وتمنحه من الود ما يجعل الضيافة أكبر من مجرد مائدة ،كما تستحضرنا هذه القيم أبياتٌ مشهورة في المروءة والتسامح منسوبة إلى الشاعر العباسي دريد بن الصمة :
وَإِنَّ الَّذي بَيني وَبَينَ بَني أَبي
وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفٌ جِدّا
إِذا أَكَلوا لَحمي وَفَرتُ لُحومَهُم
وَإِن هَدَموا مَجدي بَنَيتُ لَهُم مَجدا
وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِمُ
وَلَيسَ رَئيسُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا
وللفاشر مكانةٌ أخرى في الوجدان السوداني فهي مدينة ارتبط اسمها بالعلم ومجالسه وبالمعرفة الدينية والتقاليد التعليمية التي أسهمت في تشكيل شخصيتها الثقافية وتتردد في الذاكرة المحلية مقولة : (من لا يحفظ العاشر لا يجلس في مجالس العلم بالفاشر) في إشارةٍ إلى ما يُروى عن الاهتمام بحفظ القرآن الكريم ومتون العلم وأصول المعرفة في تقاليدها التعليمية وهكذا اجتمعت في الفاشر ملامح المدينة التي تجمع بين العلم والكرم وبين التدين والتسامح وبين الانتماء المحلي والانفتاح على سائر أبناء السودان .
لكن المأساة أن هذه المدينة التي عاشت على التداخل الاجتماعي وجعلت من الاختلاف باباً للتعارف وجدت نفسها في مواجهة حربٍ قاسية طالت المدنيين ومزّقت الأسر ودفعت الآلاف إلى النزوح وتركت وراءها جراحاً لا تُقاس بعدد القتلى وحده بل بما أصاب الإنسان في أمنه وكرامته وحقه في الحياة .
لقد شهدت الفاشر انتهاكاتٍ مروعة ارتبطت بالحرب شملت القتل والتشريد والعنف الجنسي وطالت أناساً لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في قلب المأساة ،وفي أكتوبر 2025 تصاعدت التقارير عن فظائع واسعة النطاق عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة وسط دعواتٍ دولية للتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
إن استحضار هذه الوقائع ليس استدعاءً للألم من أجل الألم بل هو واجبٌ أخلاقي تجاه الضحايا وتوثيقٌ لذاكرة مدينةٍ لا ينبغي أن تُختزل في أخبار الحرب ولا أن تُنسى مع تبدّل العناوين وتراجع الاهتمام الإعلامي .
وفي هذا السياق سجّل مركز سهام سالم للخدمات الصحفية والإعلامية موقفه الإنساني والوطني بمشاركته في اليوم المفتوح لإحياء ذكرى مجزرة الفاشر تضامناً مع الضحايا وأسرهم، وإسهاماً في إبقاء قضيتهم حاضرةً في الوعي العام ، وقد قدمن نساء الفاشر قدح ( الميارم ) رغم الجراح و المرارات التي خلفتها الحرب لكن تظل المرأة الدارفورية تتمسك بكرمها و اصلها و عاداتها .
إن هذه المشاركة هي رسالةٌ تؤكد أن الكلمة مسؤولية وأن الإعلام يمكن أن يكون صوتاً لمن فقدوا أصواتهم، ومساحةً لسرد الحكايات التي ينبغي ألا تُطوى في النسيان
و جاءت ايضا الأمسية التي نظمها مركز اندياح وصحيفة أول النهار تضامناً مع أهل الفاشر وإحياءً لذكرى المجزرة بقاعة نادي الضباط لتؤكد أن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً أخلاقياً وأن الثقافة ليست بعيدةً عن معاناة الناس، بل هي إحدى الوسائل التي تحفظ ذاكرتهم وتمنح أصواتهم مساحةً للوصول إلى الآخرين . كانت أمسيةً جميلةً في معناها عميقةً في رسالتها اجتمعت فيها الكلمة مع الوجدان والتوثيق مع التضامن لتقول إن الفاشر ليست وحدها وإن جراح أهلها حاضرةٌ في ضمير كل سوداني يرفض الظلم ويؤمن بحق الإنسان في الحياة والكرامة .
ومن خلال هذه الفعالية تجدد التأكيد على الوقوف مع أهل الفاشر حتى تستعيد المدينة عافيتها وتعود إلى حضن الوطن وتعود الحياة إلى شوارعها وأسواقها وبيوتها وتمتد يد السلام إلى كل ربوع دارفور والسودان .
كل التحايا للأستاذة داليا التي ابدعت و اجادت في ايصال صوت أهل السودان عامة و أهل الفاشر خاصة عبر منبرها إلي العالم ومعها رفيقة دربها الأستاذة مشاعر ولكل الذين أسهموا في تنظيم هذه الأمسية وجعلوا من الكلمة جسراً للتضامن ومن الذاكرة مساحةً للوفاء ومن الثقافة صوتاً في وجه النسيان .