مقالات

الأغنية السودانية بين سحر الذكاء الاصطناعي وخطر الضياع ✍️: زاهر علي يوسف

الأغنية السودانية بين سحر الذكاء الاصطناعي وخطر الضياع

 

✍️: زاهر علي يوسف

 

حين تعيد الآلة غناء تراثنا.. هل نحافظ على الأغنية أم نفقد روحها؟

 

تتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة مذهلة، لم يعد الفن بعيداً عن هذه الثورة التقنية التي دخلت إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى وصلت إلى واحدة من أكثر المساحات التصاقاً بالوجدان السوداني، الأغنية والموسيقى.

 

انتشرت بصورة لافتة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تيك توك، مقاطع لأغانٍ سودانية أعيد إنتاجها بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، من بينها أعمال لفنانين سودانيين كبار، الأمر الذي وجد تفاعلاً واسعاً من الجمهور.

 

استمعت إلى عدد من هذه الأعمال، ولا يمكن إنكار أن بعضها يحمل قدراً عالياً من جودة الصوت والتوزيع الموسيقي، وربما يمنح المستمع في الوهلة الأولى إحساساً بأننا أمام إنتاج فني جديد ومختلف، لكن وبعيداً عن الإبهار التقني، هناك سؤال أكبر يستحق أن نتوقف أمامه.

 

ماذا يحدث للأغنية السودانية عندما تتولى الآلة إعادة صياغتها؟

 

المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة مهمة لحفظ الأعمال الفنية وترميم التسجيلات القديمة وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول إعادة الإنتاج إلى إعادة تشكيل للأغنية، بحيث تتغير ملامحها الأصلية دون أن ننتبه.

 

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في بعض التجارب المتداولة، حدوث تغييرات واضحة في اللحن والإيقاع، إلى جانب صعوبة الذكاء الاصطناعي في نطق بعض الكلمات السودانية، خاصة الكلمات المكتوبة أو المغناة بالعامية السودانية، بما تحمله من خصوصية صوتية وتعبيرات محلية لا يمكن التعامل معها دائماً باعتبارها مجرد كلمات عربية، وفي بعض المقاطع، لا تضيع الكلمة فقط، وإنما يتغير معناها أيضاً.

 

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

 

الأغنية السودانية ليست صوتا وموسيقي، إنها ذاكرة مجتمع، ولهجة، ومفردات، وإيقاع حياة، وتاريخ، وبيئة، ووجدان شعبي متراكم عبر أجيال.

 

كلمة سودانية واحدة قد تحمل خلفها قصة كاملة، وطريقة نطقها قد تكون جزءاً من جمالها ومعناها، كما أن اللحن ليس مجموعة من النغمات يمكن تغييرها دون أن يتأثر العمل، فاللحن في الأغنية السودانية مرتبط أحياناً بذاكرة المستمع وبالطريقة التي عاش بها تلك الأغنية منذ سنوات طويلة.

 

والشعب السوداني بطبيعته شعب ذواق للفن والموسيقى، ومتفاعل مع الأغنية، وقادر على احتضان الجديد بسرعة، ولذلك ليس غريباً أن تجد الأغاني المعاد إنتاجها بالذكاء الاصطناعي طريقها سريعاً إلى منصات التواصل، وأن تحقق انتشاراً واسعاً.

 

لكن الإشكالية أن كثيراً من المستمعين يتعاملون معها باعتبارها تجربة جميلة وممتعة، دون الالتفات إلى سؤال أكثر أهمية

 

هل ما نسمعه اليوم سيظل هو الأغنية نفسها غداً؟

 

إذا استمر الاتجاه نحو إعادة إنتاج الأغنيات السودانية بالذكاء الاصطناعي دون ضوابط أو اهتمام بالنص الأصلي واللحن واللهجة، فقد نصل في المستقبل إلى مرحلة تصبح فيها النسخة المشوهة أو المعدلة هي الأكثر انتشاراً، بينما تتراجع النسخة الأصلية شيئاً فشيئاً، و ربما نفقد جزءاً من هوية الأغنية السودانية.

 

نحن لا نحتاج إلى محاربة الذكاء الاصطناعي، ولا إلى إغلاق الباب أمام التكنولوجيا ، لكن يجب أن يكون هناك خط واضح بين الحفاظ على التراث وإعادة إنتاجه، وبين تغيير التراث حتى لا يفقد ملامحه الأصلية.

 

نحتاج إلى اهتمام أكبر من الفنانين والملحنين والشعراء والمنتجين والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وربما إلى أرشيف رقمي موثوق للأغنية السودانية، يحفظ النصوص الأصلية والألحان والتسجيلات كما وصلت من أصحابها، حتى لا تصبح الخوارزميات في المستقبل هي المرجع الوحيد لما كانت عليه الأغنية السودانية.

 

الأغنية ذاكرة وطن.

 

وإذا لم ننتبه اليوم، فقد يأتي يوم نبحث فيه عن كلمات أغنياتنا القديمة فلا نجدها كما كتبها شعراؤها، ونبحث عن ألحانها فلا نسمعها كما لحنها مبدعوها، ونبحث عن لهجتنا فيها فنجد الآلة قد أعادت صياغتها بلغة أخرى.

 

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدنا في حفظ تراثنا، لكن علينا ألا نسمح له بأن يصبح سبباً في ضياع كلماتنا وألحاننا ولهجتنا السودانية، فالتكنولوجيا تتطور كل يوم، أما التراث الذي نفقده فلا تعيده إلينا الآلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى