زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حين يتحدث أردول عن إقصاء الآخرين

زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
حين يتحدث أردول عن إقصاء الآخرين
جاءت إلى زوجها وهي منزعجة مما سمعت ، فنادته “المبروك أبو العازة قوم اصحى الدنيا مقلوبة ، قالوا ناس البلد دايرين يرشحوا أب تيلة الحرامي للحكومة” ، فانتفض الرجل وسألها عن مصدر الخبر ، وحين أخبرته أن ناقله هو “الفريع ود العمدة” ، ضحك طويلًا وقال: “أنا كنت مفتكر الخبر جابو ليك راجل ، الفريع لامن يبقى راجل زي الرجال ويخلي مسيح الكريمات مع أخواتو أول نعتمدو راجل ، تاني ننظر في كلامو”.
هذه الحكاية تقفز إلى ذهني كلما خرج علينا من ينصب نفسه وصيًا على المشهد السياسي ، ويوزع صكوك القبول والرفض على الآخرين ، وكأن البلاد ملكية خاصة أو إرث عائلي يتصرف فيه كيف يشاء.
تصريح مبارك أردول بأنه ورفاقه اتفقوا على إبعاد المؤتمر الوطني من العملية السياسية يثير سؤالًا بسيطًا ومباشرًا ، من هو أردول ورهطه الذين اتفق معهم حتى يقرروا من يبقى ومن يخرج؟ ، وما هو الوزن السياسي أو الجماهيري الذي يخولهم التحدث نيابة عن ملايين السودانيين ، أو إصدار أحكام نهائية على قوى سياسية موجودة في الساحة منذ عقود؟
في النظم السياسية لا تُدار البلاد بالأمنيات الشخصية ولا بالتصريحات الإعلامية ، المؤتمر الوطني سواء اتفقت معه أو اختلفت ، ليس مجموعة أفراد يجلس أردول ومن معه ليقرروا مصيرهم ، الحزب له قواعده وقياداته وأنصاره ، وهم وحدهم من يحددون مستقبله السياسي ، ومتى يعود ، وكيف يعود ، وبأي صيغة يشارك في الحياة العامة.
والأغرب أن هذا الحديث يأتي من شخص يعرف الجميع أين كان عندما اشتعلت الحرب ، فبينما كانت النيران تلتهم المدن والقرى ، بفعل حرب المليشيا على اهل السودان ، اختار أردول النجاة بنفسه والهروب خارج دائرة الخطر ، متنقلًا بين جنوب السودان والقاهرة ، في وقت كان آلاف الشباب السودانيين يتجهون في الاتجاه المعاكس نحو المعسكرات وميادين القتال
شباب المؤتمر الوطني كان بإمكانهم أن يغادروا كما غادر أردول وغيره ، وأن يبحثوا عن السلامة الشخصية كما فعل كثيرون ، لكنهم اختاروا طريقًا آخر ، منهم من استشهد ، ومنهم من أُسر ، ومنهم من جُرح ، ومنهم من لا يزال مرابطًا في مواقع القتال ، هؤلاء دفعوا ثمن مواقفهم من دمائهم وأعمارهم ، ولم يبحثوا عن إطلاق التصريحات من الفنادق أو العواصم البعيدة.
الخرطوم التي عاد إليها أردول بعد تطهيرها من دنس أوباش آل دقلو ، وتجول في شوارعها ووقف على أطلال منزله ، ما كانت لتعود إلى حضن الدولة لولا تضحيات القوات المسلحة ومن ساندها في الميدان ، بما فيهم شباب الوطني ، هذه حقائق يعرفها الجميع ، ولا تطغى عليها خطابات المنابر الباهتة.
لذلك قبل أن يتحدث أردول عن إقصاء الآخرين ، عليه أن يجيب أولًا عن سؤال الشرعية السياسية والأخلاقية ، من منحك ومن معك حق تقرير مصير القوى السياسية السودانية؟ فالسودان لا يُدار بالأمنيات كما أسلفت ، ولا تُكتب خرائطه السياسية بتصريحات أشباه الرجال ، وإنما بإرادة شعبه وتضحيات أبنائه…. لنا عودة.