رأي وتحليل

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة  مؤتمر برلين… جنا الجضيع وحمل بت اللمين

زاوية خاصة

 

نايلة علي محمد الخليفة

 

 

مؤتمر برلين… جنا الجضيع وحمل بت اللمين

 

في الريف حيث لا يوجد تعقيد في اللغة ، ولا تكلّف في التعبير ، تُقال الحقيقة كما هي ، بلا رتوش ولا زخرفة ، هناك في جلسات القهوة التي تتوزع بين أطراف النهار وضل العصاري ، لا يحتاج الناس إلى نشرات الأخبار ولا إلى تحليلات الخبراء ، فكل ما في البلاد تحمله أحاديثهم ، ويتشكّل بوعي بسيط لكنه عميق.

كعادتهم يتحلّقون حول فناجين القهوة ، يتجاذبون أطراف الحديث ، وكان شأن البلاد حاضرًا في صدارة انسهم ، كما هو الحال منذ أن اشتعلت الحرب وأحرقت ما تبقى من طمأنينة السودانيين ، لم يعد هناك بيت لم تمسّه نارها ، ولا قلب لم يذق مرارة حرقتها ، حرب فرضت نفسها على تفاصيل الحياة ، وسكبت سمّها في يوميات الناس ، وسط صمت دولي يثير الريبة أكثر مما يبعث على الدهشة ، كأنما تُدار المأساة ببرود متفق عليه.

سأل أحدهم وهو يرشف فنجانه ، الجديد شنو في ساحة المعارك؟ ، جاءه الرد سريعًا ، بنبرة تحمل شيئًا من الترقب ، المُسيّرات شغّالة طقع نضيف في الجنجويد ، تدخّل آخر مستبشرًا ، النهاية قربت الجماعة بدوا يسلّموا نفسهم ، شفت استسلام النور قبة؟ ، بين الأمنيات والأمل ، تتأرجح كلماتهم فالأخبار مهما بدت صغيرة ، تتحول إلى إشارات كبيرة في عيون أنهكتها الحرب وتعلّقت بأي بارقة خلاص ، تنهي وجود المليشيا ومن ساندها ، لكن الحديث لم يتوقف عند الميدان ، بل امتد إلى السياسة ، إلى تلك المؤتمرات التي تُعقد بعيدًا عن تراب هذا البلد ، سأل أحدهم ساخرًا ، ومؤتمر برلين دا شنو؟ ، ثم أردف دون انتظار دا مؤتمر العطالى والفاشلين ،

ضحكوا جميعهم قبل أن يتكفّل أحدهم بتقديم التشبيه الذي لخص كل شيء ، بلغته البسيطة التي لا تخطئ الهدف ، ياخ دا عامل زي جنا الجضيع من بت اللمين ، ثم سرد الحكاية ، بت اللمين قالوا حامل ، والناس فرحانة، والضبايح تسوي شخ ، والحبوبة قالت كان بت يسموها عليها وكان ولد علي المرحوم جدو ، ثم تبيّن في النهاية الأمر ان بت اللمين ليست حاملًا بل مصابة بمرض الاستسقاء.

ساد صمت قصير كأن القصة لم تكن عن بت اللمين وحدها ، بل عن كثير من الوعود التي قُدّمت لهذا البلد ثم تبخرت ، عن مؤتمرات تُعقد وتنفض ، وبيانات تُصدر ، وضجيج يملأ الفضاء ، لكنه لا يغيّر شيئًا على الأرض ، وقبل أن ينفضّ الجمع ، جاء صوت من طرف الحلقة ، كأنه يضع الخاتمة التي لا تحتاج إلى تعليق ، الحفلة اتفرتقت… والولية كانت بتزغرد زي المجنونة ، والجماعة طلعوا يقلبوا في إيديهم ، وخشمهم اغباش زي الزول الماكل مَرَرُوة(فول سوداني محمص) ، هكذا وببساطة الريف وصدق عبارته ، يختصر المشهد كله فرحٌ متخيَّل ، ونهاية خائبة ، لمن اتسعت أحلامهم.

 

في الريف هناك اناس لا يملكون ترف اللغة الدبلوماسية ، لكنهم يملكون ما هو أهم ، القدرة على رؤية الأشياء كما هي ، يعرفون أن الحرب لا تُحسم بالتصريحات ، وأن مصير البلاد لا يُصنع في قاعات بعيدة عن معاناة أهلها ، وبين فنجان قهوة وآخر ، يستمر الحديث… لا بحثًا عن تسلية ، بل محاولة لفهم ما يجري ، وللتشبث بأي أمل ، ولو كان صغيرًا ، في أن تنتهي هذه الحرب الثقيلة يومًا ما بالثأر للحرائر والأبرياء… لنا عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى